مؤامرة

مؤامرة على جدران بيروت

“مؤامرة”. وحدها على أحد جدران المدينة. “مؤامرة” مرسومة بخط احتفالي. يبتسم. يسخر. وكأنها “مؤامرة” تزهو بنفسها. وهي هكذا.

“مؤامرة” دون “ال” التعريف الشهيرة. لا  أحد يعرف من أينَ جاءت. هي مؤامرة قائمة بحد ذاتها. بغنى عن التعريف، لذا ليست بحاجة إلى “ال”.

رافقت “المؤامرة” شعوب المنطقة لحقبة طويلة، تمتد لنصف قرن تقريباً. تسرّبت إلى الخطاب. الفكر. السياسة. الثقافة. وصولاً إلى “الصبحيّة” التي يقوم بها أي شخصين.  حتّى أنّ العلوم أصبحت جزءاً من “المؤامرة”. وما يجري متابعة القراءة “مؤامرة”

الثورات العربية في بيروت 2011

بيروت في قلب الثورات العربيّة، وعلى هامش “الربيع العربي”. هي المدينة المثيرة للجدل. القريبة من الشعوب، والغير قادرة على نفض الغبار عنها. منذ بدء الاحتجاجات في العالم العربي، وخصوصاً في مصر، التي تحوّلت فيها الاحتجاجات إلى ثورة أطاحت بالنظام الدكتاتوري، ظهرت على جدران المدينة أعمال فنيّة من نوع ستنسيل (Stencil Art) التي تدعم الثورة المصريّة. ومع تقدّم الاحتجاجات في دول اخرى، ومنها سوريا، برزت أعمال اخرى على جدران المدينة، تؤيد وتدعم الاحتجاجات الشعبيّة بوجه الأنظمة الديكتاتوريّة.

من اللافت، أنّ الناشطين الذين قاموا بهذه الأعمال، نقلوا الأعمال البصريّة التي ابتكرها الناشطون والمناضلون المصريون والسوريون وغيرهم، ورسموها على جدران المدينة. وكأنّهم بذلك، يقولون أنّ المعركة واحدة من الأزرق إلى الأزرق. معركة الحريّات في وجه الأنظمة القمعيّة التي تتهاوى وتضعف يوماً بعد آخر، تحت ضربات المقاومين السلميين في العالم العربي.

كُن مع الثورة. دعماً للانتفاضة المصريّة

“كُن مع الثورة”. الشعار الذي ابتكره ناشطون مصريون متابعة القراءة “الثورات العربية في بيروت 2011”

مشهد سريالي.. بالـStencil

Stencel in Hamra- By Hanibaael
Stencel in Hamra- By Hanibaael

شارع الحمرا من جديد. لا يتوقف “الستنسيليّون” (أي فناني الستنسل) عن رسم أفكارهم على طريقتهم الخاصة. وعلى هذا الجدار “الأخضر” الصغير (وليس الأخطل الصغير)، مشهد سريالي، لم ينسّقه أحد. تغوص أم كلثوم في قلب الحداثة العربيّة. تنشد “بوس الواوا”، دون أن تأبه للشعب المحاصر بالقنبلة، والذي ينتظر الانفجار، كحالة طبيعيّة لمسيرته التاريخيّة. وإلى جانبها، قام أنصار “ميكي ماوس” بالاعتراض على فتوى اغتياله الصادرة عن أحد الدعاة الاسلاميين في الجزيرة العربية، موقّعين صورته بعبارة “نحنا معك”، متحدين بذلك سلطة الدين والفتاوى التي تنتهك حياة الإنسان وحريّته.

أما “كف فاطمة” فأصبح ذو مضمون آخر على يد أحد أنرشيي بيروت.. هنا، لا شيء مقدّس إلا الانسان!

حتى بالحذاء انتفاضة

شعار جامعة الدول العبرية قرب الجامعة الأميركية في بيروت
شعار جامعة الدول العبرية قرب الجامعة الأميركية في بيروت


هاني نعيم
غزّة على جدرانمنذ اليوم الأول لبدء العدوان على غزّة، توالت ردود الفعل المستنكرة للجريمة. بدأت المجموعات الشبابيّة بالإعداد لاعتصامات وتظاهرات ومعارض فنيّة وغيرها لدعم فلسطينيي قطاع غزّة. بعض الشباب اختار الرسم على الجدران طريقة تعبير مختلفة لإعلان هذا التضامن. وقد عمد شابان، أحدهما طالب في الجامعة الأميركية في بيروت، والآخر من جامعة «الألبا»، إلى رسم هدية على شكل صاروخ تتوسّطه عبارة «Gaza» (غزّة)، ويلف شريط هذه الهدية. ويمكن العابرين في الشوارع المتفرعة عن الحمرا والأزقة المحيطة بها ملاحظة هذا الرسم. يرفض الشابان ذكر اسميهما لأنّ «الأهمية تكمن في إيصال الرسالة لا أكثر». ويقول أحدهما إنّ الرسوم هي ردّة فعل على الأحداث. وعن اختيارهما الصاروخ كهديّة، يضيف أنّ بدء الحرب على غزة كان في فترة الأعياد، فأضحت الصواريخ والمتفجّرات هي هديّة أطفال غزة من الجيش الإسرائيلي. وكان الشابان يتسلّلان في السابق إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل لـ«يرشّوا» الجدران برسومهم، وخصوصاً أنّ اللبنانيين يعتبرون هذا النوع من الفن «جريمة»، كما يقول أحدهما. لكن عندما قرر الشابان «الرسم لأجل غزة»، نزلا في الثامنة مساءً، أي حين تكون حركة الناس طبيعية، «هالمرّة ما كان فرقان معنا شي»، كما يؤكدان. وأثناء قيامهما بالرسم، استوقفهما العديد من المارّة ليسألوهما ماذا يفعلان. لكنّهم سرعان ما تفهّموا ما يقومان به، وتضامنوا معهما.

من جهّة ثانية، اختار آخرون هدفاً مختلفاً للتعبير عن مواقفهم الرافضة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. فكان لجامعة الدول العربيّة هذه المرة حصّتها من الاستنكار. إذ رسم أحدهم على الدرج الطويل، قرب الجامعة الأميركية في بيروت، شعار جامعة الدول العربية، وكتب تحته «جامعة الدول العبرية»، تعلوه نجمة داوود، في إشارة إلى المواقف التخاذلية والمتواطئة للدول العربيّة وجامعتها.

الجدران ليست لغزة ومقاومتها فقط. بل للمقاومة أينما وجدت. هكذا وجدت مجموعة ثالثة من الشباب في عمل منتظر الزيدي، الصحافي العراقي الذي رمى الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بحذائه، انطلاق «انتفاضة» أخرى، فرسموا على جدران الحمرا أيضاً، حذاءين، أحدهما رجالي والآخر نسائي، وأرفقوهما بعبارة «حتى بالحذاء، انتفاضة».

الاربعاء ٤ شباط ٢٠٠٩
جريدة الأخبار

Stencils in Beirut