الحقبة الضائعة: اكتشاف البحر

شاطىء عين المريسة – بعدستي

سهى

يضحك البحر لأنه حر. أحب أن أعتقد ذلك. أنّ البحر حر ولن نتمكن من تقييده أبدًا. ينظر البحر إلى الشاطئ ويضحك. يضحك كثيرًا وبيتعد. قد يغرق البحر أحيانًا أو يبتل دون علمنا وهنا تكمن حريته وسره. قد يكون البحر أهم عنصر في طفولتي. وأجدني اشتاق إليه مرارًا. فقد قضيت معظم صيفيات طفولتي في جواره وبين أمواجه.

كنا نقصد شاطئ البربارة (بالقرب من عمشيت) مع أبي كل يوم تقريبًا من آخر حزيران إلى نصف أيلول. أبي يمارس هواية الصيد منذ سنوات. وهو ماهر جدًا. لذلك اصطلح أصدقائه تسميته بالبروفسور. ومن كثرة ولعه بالبحر كانت تجاوب أمي عندما يسألها أحدهم عن مهنة زوجها أنه يعمل صيادًا ويعلّم كهواية. علّمني أبي السباحة والقيادة. وقال بهاتين تتحررين.

 علّمني أن أحب البحر. أن آكل ثماره. أن اعتبر نفسي حورية في الماء. أن أكون ماء بين ذراعي البحر. وكان دائمًا يردد أن البحر صحة والسمك مفيد للعقل. كانت رجلا أبي ملوّنتين بحسب صندلاه. سمراوتان مكان انفتاح الصندال وأقل سمارًا مكان انغلاقه. خطوط زيبرا. كوشم بحري يتبعه كظله، كماء يستبدل الخطوة. كنا نأكل من ثمار البحر مرتين أسبوعياً. وما زالت وجبتي المفضلة. وفي السماء بعدما ما نرجع من البحر ونفتح البراد نحدق بفاكهة الصيف الشهية، كنا نأكل بشهية البحر وبجوعه. وبعد الحمام ننظر طويلا إلى الشياك المطل على البحر اضافة إلى سكة قطار مهجورة وكنا سعداء أنا وأخوتي. كنت سعيدة.

كان بامكاننا زيارة البحر في أي وقت ولا سيما شاطئ الحلوة (هكذا كان اسمه)، لم نكن ندفع شيئا لنتلذذ بالماء. كان البحر مجاني، الشمس، والسعادة أيضًا. عرفت منذ مدّة أن هذا الشاطئ وسواه غدا بتعرفة معينة. ما جعل كل الواجهة البحرية لمنطقة جبيل شبه خاصة، لا يمكن دخولها مجانًا. أفكر مرات بالأطفال اليوم، الذين كنت مثلهم في هذه الفترة بسبب أوضاعنا الاقتصادية، لا يملك أهلهم حق استئجار شاليه أو كابين أو حق تعرفة دخول شبه يومية إلى هذه الأماكن وأتحسر على ما يحرمون منه من حرية واستمتاع.

أعرف أن الكثير تغيّر في هذا الوطن منذ التسعينات إلى الآن وإلى الأسوأ. لكنني أنظر مرات إلى البحر ولاسيما في ساعات ثورته وأتأمل من جديد.

 هاني 

كان البحر قريباً، ومازال. قريباً من البيت والروح. ارتبط البحر عندي بأربعة شواطىء بيروتيّة: عين المريسة، الدالية (قرب صخرة الروشة)، الرملة البيضاء، و”الحمامة”، كما يسمّيه أبناء الحي، وهو الشاطىء الصخري الذي يقع قرب اوتيل السامر لاند (Summer Land).

الذكريات البحريّة كثيرة، تراوحت ما بين الخفّة والثقل. فيها من الكثير من الخوف، الفرح، والضحك. أذكر عندما كنت أذهب مع والدي إلى عين المريسة، لنصطاد السمك. عندها لم يكن الشاطىء ملوّثاً كاليوم، ولكنّه كان ملوّث لحد ما. كنت أرمي الخبز في الماء كي يقترب السمك من الشاطىء ويأكلهم، عندها كان والدي يقوم باصطيادهم. كانت من المتعات الصغيرة التي تأخذني إلى عالم بعيد، خصوصاً وأنّي كنت أقضي أغلب الوقت في التحديق في عمق البحر، وأقوم ببناء أفكار غريبة حول البحر.

لاحقاً، أصبحنا نذهب، كل العائلة، والدي ووالدتي وأخي، إلى “الحمامة”، ونصطاد السمك متابعة القراءة “الحقبة الضائعة: اكتشاف البحر”