هل يُمكن تفادي كل هذا الشيء؟‎

RV-AN417_CUBICL_P_20140509201519

عطلة نهاية الأسبوع “الويك اند” هي نعمة من نعم الآلهة علينا. أم ربما هي نعمة من أرباب العمل. أغلبنا نعمل خمسة أيام في الأسبوع، ونحصل على يومين عطلة لنعود بعدها إلى دوّامة الخمسة مقابل اثنين.

مهما كانت وظيفتنا، فنحن بانتظار دائم لعطلة نهاية الأسبوع، لنشعر بانّنا في حيّزنا الشخصي. لنكون في عالمنا الذي يشبهنا. لنقوم بالأعمال التي نحب أن نقوم بها، دون أن نكون مرغمين على القيام بها. لنكون على طبيعتنا. هكذا، آخر يوم من أيام العمل، هو يوم للفرح، البهجة وعدم الاكتراث.

أنا من هؤلاء الذين ينتظرون عطلة نهاية الأسبوع. هذا لا يعني بالضرورة أن يكون “الويك اند” مليء بالمشاريع والسهرات. أغلب الأحيان، امضي هذه العطلة على الكنبة، دون ان أخرج من المنزل. أحياناً، أنظر من نافذة الشقة إلى العالم الخارجي. أشعر بأنّه مازال كما هو، وليس هناك من دافع للخروج من عالمي.

حيث اعيش عطلة نهاية الأسبوع هي يومي الجمعة والسبت. هكذا، عندما تشرق الشمس يوم الخميس، أنهض من سريري بحيويّة نادرة. ففي ذهني، مهما سيحصل اليوم، فلهذا اليوم نهاية سعيدة وهي أنّه في اليوم التالي لست مضطراً للنهوض عند الساعة السادسة ونصف صباحاً ولا حتى القيادة لمدة ساعتين ونصف (ساعة وربع ذهابا وساعة وربع اياباً) إلى مكتبي الذي يبعد 120 كيلومتر عن منزلي.

خلال يوم الخميس، يتحسّن المزاج لتحل روح المرح وكأنّني على وشك الحصول على جائزة كبرى. يُصبح كل شيء أخف. يُصبح للحياة طعم آخر. تطل علينا العطلة من الأفق الرحب، أما الساعات الأخيرة من دوام العمل فهي ساعات للاحتفال، مثل الاحتفال بتحرير مقاطعة “وينترفيل” وعودة آل ستارك إلى أرضهم وديارهم المباركة.

لحظات مغيب الشمس في يوم الخميس الذي يبدو قصيراً جداً هي لحظات مقدسة من اللااكتراث والاسترخاء. هي لحظات الدخول إلى المجهول والفوضى. أيام العمل هي عبارة عن روتين وتكرير لذات المشاهد: استيقظ في وقت محدد. أعد قهوتي. أمارس التأمل الصباحي. أقود سيارتي إلى المكتب. أعمل. اتناول الغذاء عند الساعة الواحدة بعد الظهر. عند الرابعة، احتسي القهوة. عند الخامسة أغادر المكتب. عند السادسة والنصف ابدأ بممارسة الرياضة. وبعدها أجلس على الكنبة أم ألتقي باحد الأصدقاء. وهكذا دواليك.

بينما خلال العطلة، قد استيقظ الساعة 12 ظهراً أم الثالثة بعد الظهر. أتناول القهوة عندما استيقظ. قد ابقى على الكنبة، وقد أخرج من المنزل. قد أذهب للتخييم مع الأصدقاء على شاطىء البحر أم على قمة جبل في عُمان. كل الاحتمالات مفتوحة ومتاحة. وبغض النظر عن ما قد أفعله في هذه العطلة، فهو نابع عن ارادة حرّة. وهذا أجمل ما في العطلات الأسبوعية والسنويّة.

في ليلة الخميس يُمكنني أن أسهر حتى لحظة شروق الشمس، واحتساء الكحول بالقدر الذي أريده دون ان تقلقني فكرة الذهاب للعمل مع صداع (Hangover). وهذا الشيء يتكرر يوم الجمعة، إذ أنّ يوم السبت لست مضطراً للاستيقاظ عند الصباح.

ولكن أكثر ما يُخيفني هو يوم السبت. في هذا النهار، عندما استيقظ ظهراً واتناول قهوتي وغذائي، اعرف بأنّ العودة إلى العمل هي مسألة وقت. إذ ساعات قليلة تفصلني عن العالم الآخر، عالم العمل والروتين. هو يشبه يوم الخميس ولكن على الجهة المقابلة منه: هو يوم للاحباط.

عندما تغيب الشمس في هذا اليوم، وتحل العتمة أشعر بأنّها تأكل ما تبقى من حيويّة وأيجابيّة في روحي. أغوص في الأسئلة الوجوديّة التي عادة ما تظهر يوم السبت (أو يوم للاحد للآخرين) وأتصارع معها، ولكن في هذه الحالة، أكون أنا الثور أما الاسئلة فهي المصارع.

تلتهم العتمة رغباتي، كالضباب، لأصبح بلا رغبات. مجرّد كائن يطفو على سطح البحيرة التي أنظر إليها من نافذتي وارى فيها كآبة نهر الدانوب الرمادي الذي يبدو بأنّه يصب في هذه البحيرة البليدة.

لحظة حلول الظلمة يوم السبت، أعرف في قرارة نفسي بأنّه لا يُمكن تفادي يوم غد. يُصبح رأسي ملبّداً باللاشيء. تتجهّم ملامحي وكأنّي فقدت للتوّ كلبي الذي لم املكه يوماً. يحلّ الثقل على أطرافي. أحاول أن لا أفكر بشيء. وأخلد باكراً إلى الفراش كي اتفادى الفكرة. ساعات قليلة وأنهض، أعود إلى الروتين الذي أعمل على وضع حداً له.

في صباح اليوم الأول لأيام العمل، تراودني اسئلة أكثر وجوديّة: هل انا مستعد لهذا اليوم؟ هل يُمكن العودة إلى تلك اللحظة التاريخيّة التي قادتنا إلى هنا؟ هل كان يُمكن تفادي كل هذا الشيء؟

 

لمتابعة الكاتب على تويتر

 

لائحة الكائنات التي لا تريد الالتقاء بها

 

Source: 500px.com by Amir Bajrić
Source: 500px.com by Amir Bajrić

في فطرتنا الحيوانيّة، نحن كائنات اجتماعيّة. لكل منّا دوائره الإجتماعيّة الضيّقة والواسعة. في طفولتنا، نملك فقط دائرة اجتماعيّة واحدة. نُعامل جميع من حولنا بالتساوي. وكلّما كبرنا في السن، يبدأ تصنيفنا للناس المحيطين بنا، وبذلك تبدأ تلك الدوائر بالتشكّل. في هذا النص، سأتناول الناس الذين عادة ما يكونوا في الدائرة الواسعة من حياتنا الاجتماعيّة، والذين نُحاول تفادي الالتقاء بهم:

“خلينا نشوفك”: الأصدقاء الذين نلتقيهم بالصدفة، وكلّما التقينا نقول ذات العبارة “خلينا نعمل قعدة قريباً”. هؤلاء نكون قد تعرفنا عليهم في ظروف معيّنة، والظروف وحدها تجمعنا بهم، وعندما انتهت هذه الظروف لم يعد من داع لنلتقي. ولكن الجانب الاجتماعي فينا يمنعنا من قطع التواصل مع هؤلاء نهائيّاً، وتقتصر العلاقة معهم على الصدفة والإيحاء بأنّنا سنلتقي قريباً. ولكن لن نلتقي أبداً عن سابق إصرار.

“خلينا نحكي قريباً”: عادة ما تتصل ببعض الاصدقاء، لتطمئن عليهم. خلال الاتصال، تقولون لبعضكم: هيا نلتقي في الأسبوع المقبل. تحددون موعداً دقيقاً: في هذه الحانة، عند الساعة الثامنة.
“هل من داعٍ للاتصال لاحقاً من اجل تأكيد الموعد؟”. “لا داع لذلك” تقول انت او هو. ولكن ما يحصل هو أنّ يوم اللقاء سيمر، ولن تلتقيا. ولن يتذكر أحد. لذا لا داع للخروج بعذر لعدم اللقاء. فهو اتفاق ضمني بانّ الاثنان منشغلين.
هؤلاء الاصدقاء عادة ما تلتقيهم كل ثلاثة أشهر. تحتسون الجعة. تتبادلون الاحاديث عن ما كان يجمعكم، وما تبقى من ما يجمعكم “كرهكم لبعض الاشخاص متابعة القراءة “لائحة الكائنات التي لا تريد الالتقاء بها”