مُتَسَكِّع في القارة العجوز (قصة قصيرة)

مُتَسَكِّع في القارة العجوز

 

في لشبونة

.1.

“ربما يمكن لهذه الحياة أن تكون أفضل”

الموسيقى تداخلت في رأسي. كنت أستمع لموسيقتي المفضلة عندما بدأ إيقاع لموسيقى أخرى. قمت بإزالة السماعات من أذني، ونظرت إلى الجانب الأيسر من مقطورة المترو. شاب ثلاثيني بملابس بوهيمية يمشي بين المقطورات، يحمل آلة الأكورديون. يعزف الموسيقى وعلى الأكورديون، كلب صغير يرتدي ملابس بوهيمية أيضاً. الكلب يبدو وكأنه تعوّد الجلوس فوق الآلة بشكل عادي جداً. الكلب يحدق بالجميع، والجميع يحدق به. لم يقل أي أحد أي شيء. تصرّف الجميع وكأنه يوم آخر في لشبونة.

الموسيقى التي لعبها الشاب لم أسمعها من قبل، ورغم ذلك، بدت مألوفة. تشبه وجوه الأشخاص الذين نلتقيهم بشكل عشوائي ونعتقد بأننا نعرفهم، وغالباً ما يكونوا مجرد غرباء.

الموسيقى أخذتني إلى زاوية أخرى من دماغي. أزمة وجودية جديدة بدأت تلوح في الأفق. لا أعرف ما إذا كنت دائماً في أزمة وجودية أم هي مجرد أزمات تمر كل فترة. لم أعد قادرًا على التمييز أو حتى الحسم. الحياة اليومية قذفتني إلى أماكن أكثر ظلمة حيث تتشكل الأزمات. الأزمة تلو الأخرى. أحياناً يخطر ببالي بأنني كنت هكذا منذ أن كنت في السادسة من عمري.

المشهد جعلني أفكر بأن الأمور يمكنها أن تكون أفضل قليلاً، وأن الحياة ستستمر بعد كل شيء. خرجت من القطار مع الكثيرين. أردت الذهاب إلى النزل حيث استأجرت سريراً في غرفة تتسع لسبعة أشخاص. كنت قريباً من “السرير”، ربما نحو ثلاثة كيلومترات. هكذا مشيت. أردت أن ألقي نظرة أخيرة على المدينة قبل مغادرتها. لم تتح لي الفرصة أن أكتشفها. مشيت المسافة كاملة مع حقيبتي على ظهري. أصبحت أثقل بعد أن وضعت بدلتي فيها. آه لم أذكر ذلك. كنت مدعواً لعرس أحد الأصدقاء القدامى. العرس كان في مكان ما يبعد قرابة 150 كيلومتر عن المدينة، في مكان ناء ولكنه فخم جداً. فخامته كانت أكبر من أن استوعبها، ولكن هذا أمر آخر.

صديق آخر يتزوج، وأنا هنا متابعة القراءة “مُتَسَكِّع في القارة العجوز (قصة قصيرة)”

فسحة جميلة للموت

eagle-on-soldiers-grave

هاني نعيم

الموتى، يا توماس، يحصلون على أجمل المساحات الخضراء كمثوى أخير. هذا تعويض لهم عن شقاء الحياة. أينما ذهبنا، نلاحظ بأنّ المقابر غالباً ما تستحوذ على مكان جميل وناءٍ إن كان في القرية أم المدينة.
في لاوعينا الجماعي، نهتم بالمقابر وكأننا نقول: احياؤنا عاشوا حياة بائسة، لنكرّمهم في فسحة موت جميلة. يموتوا بسلام، قرب العشب، وبعض الزهور. جغرافيّة المقابر تُخبرنا قليلاً عن علاقتنا الملتبسة معها والتي تنطوي على مفارقات مختلفة. هنا بعض منها:

مكان للمساواة: للمقابر سطوة غريبة علينا، فهي قد تكون المكان الوحيد الذي نشعر فيه بالمساواة بين بعضنا البعض، بغض النظر عن الفروقات الحضاريّة، الطبقيّة، الإثنيّة، اللغويّة، الجندريّة أو غيرها.
هنا، تحت هذا العشب الأخضر المزيّن بالهدوء وأناقة الأزهار، ينام، بسلام، عشرات من الذين سبقونا إلى الجانب المظلم من الأرض. لا فرق بينهم سوى بعض النقوشات والزخرفات على الألواح الرخاميّة التي تخلّد ذكراهم.
لا اعرف ما إذا هذه المفارقة تضاف إلى لائحة “سخرية القدر”، أم أنّها مجرّد مفارقة جانبيّة: المقابر هي الدليل الوحيد متابعة القراءة “فسحة جميلة للموت”