كحول

13346624_10154195734622768_8448885268540228356_n

في ذلك المساء، لم تأتي بائعة الهوى لتقرأ لي من “أثر الفراشة” لمحمود درويش. تأخرت عن موعدها، وربما لم أتصل بها في الأساس. كل ما اردته لذلك المساء هو بعض من السكينة والاسترخاء على كنبة لا أعرف عنها الكثير، أو ربما الموت بسلام في قلب الجبل.

ولكنها لم تأتي في ذلك الليل الطويل.

***

الكثير من الكحول لا يؤرق القلب، بل يأخذه إلى زوايا فيها بعض من العتمة والموسيقى الإنسيابية. الشمس غابت وراء الغيوم البعيدة، وبقي كأس العرق الأبيض يُضيء سكون الغرفة المترامية الأطراف.

الضوء في زاوية الغرفة يتمدد في السقف وعلى الطاولة. لا أحد يستطيع إيقافه في هذه اللحظة. هو الإله، النبع والملجأ.

على الكنبة، تاريخ يُكتب ويُعاد. خارج هذا الحيز، لا شيء مثير أو يدعو للإثارة. كل ما في الأمر أنّ هذا العالم فقد وهجه وإثارته، وأصبح رهن الروتين الممل. أنه لأمر مثير للشفقة أن هذا العالم فقد قدرته على أن يكون مصدر الهام. أصبح مصدراً للأرق.

***

عند الصباح، خطرت في بالي بائعة الهوى. هل فعلاً اتت عند المساء وقرأت مقاطع من “أثر الفراشة” أم انها كانت مجرد سراب. لا فرق طالما أنّ الصداع يترافق مع بهجة غريبة تعبر الجمجمة.

كأس عرق. كأسان. ثلاثة. لم أعد قادراً على العد. لا يهم. مازلت قادراً على لف سيجارتي بالتبغ المستورد. وهذا يكفيني في هذه اللحظة.

***

هل نحن راحلون؟

بعد ساعة ربما. ساعتان. أم ربما سنوات. في النهاية، سنرحل إلى مكان ما. قد يكون قريباً أم بعيداً. ولكن هذا لن يعني شيئاً.

سنرحل.

يوماً ما، سنستيقظ ولن نكون هنا. سنكون في مكان ما. سنكون على شكل صورة من الماضي، أو على شكل أشباح مهاجرة.

نحن الأشباح المهاجرة والراحلة.

***

على صفحة بيضاء، كالعرق المسكوب في القدح الصغير، أكتب Continue reading “كحول”

قصة قصيرة: أوتيل أغاثا كريستي

“أوتيل أغاثا كريستي”، هي قصة قصيرة اخرى، اكتبها بعد 3 سنوات انقطاع عن كتابة القصة القصيرة. في الأشهر السابقة، عملت على هذه القصة، أضفت الكثير، وحذفت الكثير، عدّلت وأضفت، إلى أن أخذت هذا الشكل الأخير.

 

هنا يُمكنكم تحميل القصة بصيغة (بي دي أف)

 

نشرت أولاً في موقع رصيف 22cover

هنا تجدون مجموعة القصص القصيرة التي نشرتها عام 2013، وجمعتها في كتيّب الكتروني بعنوان  “خدر وجحيم”.

 

هل يُمكن تفادي كل هذا الشيء؟‎

RV-AN417_CUBICL_P_20140509201519

عطلة نهاية الأسبوع “الويك اند” هي نعمة من نعم الآلهة علينا. أم ربما هي نعمة من أرباب العمل. أغلبنا نعمل خمسة أيام في الأسبوع، ونحصل على يومين عطلة لنعود بعدها إلى دوّامة الخمسة مقابل اثنين.

مهما كانت وظيفتنا، فنحن بانتظار دائم لعطلة نهاية الأسبوع، لنشعر بانّنا في حيّزنا الشخصي. لنكون في عالمنا الذي يشبهنا. لنقوم بالأعمال التي نحب أن نقوم بها، دون أن نكون مرغمين على القيام بها. لنكون على طبيعتنا. هكذا، آخر يوم من أيام العمل، هو يوم للفرح، البهجة وعدم الاكتراث.

أنا من هؤلاء الذين ينتظرون عطلة نهاية الأسبوع. هذا لا يعني بالضرورة أن يكون “الويك اند” مليء بالمشاريع والسهرات. أغلب الأحيان، امضي هذه العطلة على الكنبة، دون ان أخرج من المنزل. أحياناً، أنظر من نافذة الشقة إلى العالم الخارجي. أشعر بأنّه مازال كما هو، وليس هناك من دافع للخروج من عالمي.

حيث اعيش عطلة نهاية الأسبوع هي يومي الجمعة والسبت. هكذا، عندما تشرق الشمس يوم الخميس، أنهض من سريري بحيويّة نادرة. ففي ذهني، مهما سيحصل اليوم، فلهذا اليوم نهاية سعيدة وهي أنّه في اليوم التالي لست مضطراً للنهوض عند الساعة السادسة ونصف صباحاً ولا حتى القيادة لمدة ساعتين ونصف (ساعة وربع ذهابا وساعة وربع اياباً) إلى مكتبي الذي يبعد 120 كيلومتر عن منزلي.

خلال يوم الخميس، يتحسّن المزاج لتحل روح المرح وكأنّني على وشك الحصول على جائزة كبرى. يُصبح كل شيء أخف. يُصبح للحياة طعم آخر. تطل علينا العطلة من الأفق الرحب، أما الساعات الأخيرة من دوام العمل فهي ساعات للاحتفال، مثل الاحتفال بتحرير مقاطعة “وينترفيل” وعودة آل ستارك إلى أرضهم وديارهم المباركة.

لحظات مغيب الشمس في يوم الخميس الذي يبدو قصيراً جداً هي لحظات مقدسة من اللااكتراث والاسترخاء. هي لحظات الدخول إلى المجهول والفوضى. أيام العمل هي عبارة عن روتين وتكرير لذات المشاهد: استيقظ في وقت محدد. أعد قهوتي. أمارس التأمل الصباحي. أقود سيارتي إلى المكتب. أعمل. اتناول الغذاء عند الساعة الواحدة بعد الظهر. عند الرابعة، احتسي القهوة. عند الخامسة أغادر المكتب. عند السادسة والنصف ابدأ بممارسة الرياضة. وبعدها أجلس على الكنبة أم ألتقي باحد الأصدقاء. وهكذا دواليك.

بينما خلال العطلة، قد استيقظ الساعة 12 ظهراً أم الثالثة بعد الظهر. أتناول القهوة عندما استيقظ. قد ابقى على الكنبة، وقد أخرج من المنزل. قد أذهب للتخييم مع الأصدقاء على شاطىء البحر أم على قمة جبل في عُمان. كل الاحتمالات مفتوحة ومتاحة. وبغض النظر عن ما قد أفعله في هذه العطلة، فهو نابع عن ارادة حرّة. وهذا أجمل ما في العطلات الأسبوعية والسنويّة.

في ليلة الخميس يُمكنني أن أسهر حتى لحظة شروق الشمس، واحتساء الكحول بالقدر الذي أريده دون ان تقلقني فكرة الذهاب للعمل مع صداع (Hangover). وهذا الشيء يتكرر يوم الجمعة، إذ أنّ يوم السبت لست مضطراً للاستيقاظ عند الصباح.

ولكن أكثر ما يُخيفني هو يوم السبت. في هذا النهار، عندما استيقظ ظهراً واتناول قهوتي وغذائي، اعرف بأنّ العودة إلى العمل هي مسألة وقت. إذ ساعات قليلة تفصلني عن العالم الآخر، عالم العمل والروتين. هو يشبه يوم الخميس ولكن على الجهة المقابلة منه: هو يوم للاحباط.

عندما تغيب الشمس في هذا اليوم، وتحل العتمة أشعر بأنّها تأكل ما تبقى من حيويّة وأيجابيّة في روحي. أغوص في الأسئلة الوجوديّة التي عادة ما تظهر يوم السبت (أو يوم للاحد للآخرين) وأتصارع معها، ولكن في هذه الحالة، أكون أنا الثور أما الاسئلة فهي المصارع.

تلتهم العتمة رغباتي، كالضباب، لأصبح بلا رغبات. مجرّد كائن يطفو على سطح البحيرة التي أنظر إليها من نافذتي وارى فيها كآبة نهر الدانوب الرمادي الذي يبدو بأنّه يصب في هذه البحيرة البليدة.

لحظة حلول الظلمة يوم السبت، أعرف في قرارة نفسي بأنّه لا يُمكن تفادي يوم غد. يُصبح رأسي ملبّداً باللاشيء. تتجهّم ملامحي وكأنّي فقدت للتوّ كلبي الذي لم املكه يوماً. يحلّ الثقل على أطرافي. أحاول أن لا أفكر بشيء. وأخلد باكراً إلى الفراش كي اتفادى الفكرة. ساعات قليلة وأنهض، أعود إلى الروتين الذي أعمل على وضع حداً له.

في صباح اليوم الأول لأيام العمل، تراودني اسئلة أكثر وجوديّة: هل انا مستعد لهذا اليوم؟ هل يُمكن العودة إلى تلك اللحظة التاريخيّة التي قادتنا إلى هنا؟ هل كان يُمكن تفادي كل هذا الشيء؟

 

لمتابعة الكاتب على تويتر

 

أكره اللقاء بالصدفة!

 

131845409-botanist-bar-newcastle
Source: 500px by Alan Firth 

هاني نعيم

مؤخراً، أصبحت أشعر بثقل الالتقاء صدفة بالناس الذين أعرفهم (وليس الأصدقاء)، إن كان في المركز التجاري (المول)، في المطعم، في الحانة، أم في أي مكان عام.

أنزعج لأنّ هذا يعني أن أتوقف وأقوم بمحادثة أنا غير جاهز للقيام بها مع شخص غير جاهز للالتقاء به في هذه اللحظة لأنّي لم اتحضّر نفسيّاً لذلك قبل خروجي من المنزل. هذه المحادثة تكون عادة عن مواضيع عامة جداً، ولا تتضمن أي جانب شخصي وخاص. ومدتها تتراوح عادة ما بين الدقيقة والثلاث دقائق. هذه الدقائق المعدودة هي من الدقائق الأطول في حياتي، والتي أشعر بأنها بلا نهاية. أحياناً، اتمنى أن يعود بي الزمن إلى لحظة ما قبل هذا اللقاء، أو أن يحدث شيء ما يغيّر مجرى الأمور كلها، وأحياناً اندم على Continue reading “أكره اللقاء بالصدفة!”

انقطاع الكهرباء: سرديّة الحرب والسلم في لبنان

 

e87b6e72a7651b1510847013dbf0aa34.jpg

هاني نعيم

إنها الساعة السابعة مساءً من إحدى ليالي الشتاء الطويل في لبنان. انقطعت الكهرباء. يتم احضار الشمعة او لمبة فلوريسنت تعمل على البطاريّة. تجتمع العائلة كلها، وبما أنّ التلفلزيون لم يعد له أي قيمة، ككل الآلآت والمكنات، في ظل انقطاع الكهرباء، فإنّ العائلة ستأخذ دور التلفزيون عبر سرد القصص القديمة.

كلما انقطعت الكهرباء، يحلّ الصمت، تجتمع العائلة، يتوقف السلم الأهلي، تُضاء الشمعة التي على ظلها يتم استحضار روح الحرب الأهليّة التي استمرت قرابة عقد ونصف. ويبدأ سرد القصص من الأب، الأم، وأحياناً العم(ة) وكل من عاش أحداث الحرب وكان حاضراً لحظة انقطاع الكهرباء.

في التسعينات وحتى عام 2005، لم تعش البلاد أحداث مهمة. كانت الحرب قد انتهت بعد هدنة الطائف، ودخلت البلاد في جو من السلم الأهلي المزيّف. هكذا، كانت الحكايا والقصص التي تسرد مع انقطاع الكهرباء تتمحور حول الحرب الأهليّة التي عاشها الأهل.

إذا ولدت في الثمانينات، فإنّ ذاكرتك في التسعينات تحمل هذا المشهد.

عادة ما تملك العائلة حوالي 4 قصص أساسيّة عن الحرب. ترويها مراراً وتكراراً. وكأنّ الحرب بالنسبة لها هي مجرّد عدد محدود جداً من الأحداث، أما سنوات الحرب فهي مجرّد تمرير للوقت، والبقاء على قيد الحياة. هذه القصص تتشاركها أغلب العائلات تقريباً، ويكاد يكون هناك سرديّة واحدة لجميعها.

قصة ميلادك: “انت خلقت بيوم قصف وضرب”. هذه القصة مركزيّة في ذاكرة العائلة لأسباب عديدة منها، أنّ الناس أثناء الحرب تتزواج وتتكاثر بنسبة مرتفعة خوفاً من الإنقراض والموت من جهة، ومن جهة اخرى، هي تعبير عن إرادة الحياة ومقاومة للموت وأيضاً سخرية من الحرب بحد ذاتها.

ولأنّ الحرب الاهلية التي استمرت قرابة عقد ونصف هي عبارة عن حروب صغيرة داخل الحرب الكبرى، فالجيل الذي ولد في منتصف السبعينات والثمانينات هو الجيل الذي ولد خلال “حرب السنتين”، “حرب الاجتياح”، “حرب الجبل”، “انتفاضة 6 شباط”، “معركة العلمين”، “حرب المخيمات”، “حرب الالغاء”، “حصار زحلة”، و”حرب عون” وغيرها من المعارك الجانبيّة.

Checkpoint_4,_Beirut_1982

قصة عبور الحواجز: دائماً ما يذكر والدي الطريقة والنبرة (attitude) التي كان يتحدث إليها للمقاتلين الذين يقفون على الحواجز، وكيف أنّ لكل ميلشيا لها طريقتها في التعامل معها للعبور بسلام دون أي مشاكل. كما ويذكر الطريقة التي كانت فيها والدته (جدتي التي لم اعرفها) تتحدث بها إلى المسلحين على الحواجز أثناء عبورها مع أطفالها، إذ عادة ما كانت توبّخهم بثقة، وهذا ما ساعدها على التنقل دون مشاكل.

الحواجز التي كانت تقيمها الميليشيات، في كل الطرقات الرئيسية والفرعيّة، شكّلت أبرز ملامح الحرب الأهليّة. كان يستلزم انتقال العائلة من بيروت إلى المتن مثلاً، حيث تقع قرية والدتي، ساعات طويلة. وللوصول إلى هناك، كان على الأهل أن يمرّوا على حواجز تابعة للحزب التقدمي الاشتراكي، حزب الكتائب، المرابطون، القوات اللبنانية، حركة فتح، حركة أمل، والشيوعي، إضافة إلى حواجز الجيوش المحتلة، أي الجيش البعث السوري والجيش الإسرائيلي.

قصة الخطف في يوم اسود: يُخبرنا والدي عن اليوم الذي نجا فيه من الخطف عندما كان عائداً من عمله في الكرنتينا. ولكنّ أكثر قصة يسردها مراراً وتكراراً هي قصة اختطافه من قبل إحدى الميليشيات الطائفيّة في يوم كان مليء بالخطف العشوائي.

“كنت راجع من شغلي وخطفوني. وقتها كنّا شي عشرين شخص بالاوضة، وجابولنا جلاد كان مخطوف من ميليشيا تانية. وبلّش يفش خلقو فينا. كان وقتها يرمينا ع الدرج نحن ومربطين ويسألنا “مبسوطين؟”. بتذكر لما حطوني باوضة وكيس براسي، كان بدو يصفيني. وقتها، بسمع صوت حدا من الاوضة التانية عم يقول “ما تقوصوا، هيدا الزلمي من حينا”. وهيك زمطت”.

كل عائلة تقريباً لديها قصة تسردها عن الخطف، ورغم مرور 26 سنة على توقيع اتفاق الهدنة التي كرّست هزيمة المسيحيين وانتصار المسلمين في لبنان، مازال هناك العشرات من الأشخاص الذين اختفطوا خلال الحرب ولم يعودوا حتى اليوم إلى منازلهم، ومازالت عائلاتهم بانتظارهم. البعض منهم وجد في مقابر جماعيّة اكتشفت بعد الحرب، وآخرون مازالوا في سجون النظام البعثي في سوريا، وآخرون لا معلومات عنهم.

قصة “زمطنا ع لحظة”: لوالدي ووالدتي عدة قصص عن “الزمطة من الموت”، وعن المرات التي قصف فيها الحي الذي نقطن فيه في وطى المصطيبة. في عام 1976، سقطت قذيفة أثناء قصف الجيش السوري لبيروت الغربيّة على منزلنا، وأصيبت جدتي حينها، لتتوفى بعدها بسنوات عدة. وخلال الاجتياح عام 1982، قصف الجيش الإسرائيلي أحد منازل الحي الذي يسكنه فلسطينيّون مع حركة فتح.

القصف العشوائي أيضاً كان جزء من اليوميات، بالتالي من الطبيعي أنّ الذين استطاعوا البقاء على قيد الحياة أثناء الحرب، لديهم الكثير من قصص “زمطنا ع لحظة” في مرحلة ما بعد الحرب.

وبعيداً عن القصص، يُردد الأهل على مسامعنا، خصوصاً عند انقطاع الكهرباء، مقولات مثل “أيام الحرب كانت احلى رغم القصف والدمار”، “وقت الحرب كنّا مرتاحين اكتر”. وهو ما يؤكّد على انّ أيام السلم التي جاءت بعد توقيع هدنة الطائف اسوأ من تلك التي عاشوها خلال الحرب.

وهذا يعود لسبب أساسي وهو أنّه خلال الحرب، كانت قوى الأمر الواقع (الميليشيات) تنظّم حياة الناس بشكل مباشر إضافة للمساعدات والخدمات التي كانت تمنحها لسكان المناطق الخاضعة لها. أما في فترة السلم، فإنّ دور قوى الأمر الواقع تراجع واكتفت تلك القوى برعاية المحازبين المباشرين لها، أما غالبيّة السكان فقد تركوا لرعاية مؤسسات الدولة التي فشلت في تقديم الحد الأدنى من الخدمات من جهة، وبدأت سياساتها الرأسماليّة تزيد من إفقار الفقراء والمهمشين.

ورغم كل سرديّة “السلم الأهلي” التي حاولت الأطراف اللبنانيّة إرسائها إن كان عبر “ورشة إعمار بيروت”، “عودة المهجرين”، “الإنماء والإعمار”، و”تفكيك الميليشيات وعودة الشرعيّة”، فإنّ هذه السرديّة كانت تختفي كلما انقطعت الكهرباء، لتحل محلها سردية “الحرب الأهليّة”، والحنين لـ”الزمن الجميل”.

الكنبة: معبد الكسالى

stock-photo-67705533
Source: 500px by Pierpaolo De Gennaro

 

بغض النظر عن جنس الشخص الذي اخترع الكنبة، فهو بلا شك “ass person”، أو ما يُمكن تسميته أيضاً بـ”المأخوذ بالمؤخرات”. فهو يفهمها جيداً، ويُعرف كيف يُقدّرها.

علاقتي مع الكنبة تمتد إلى عهد قديم. فهي كانت سريراً، لي ولأخي الأصغر لفترة طويلة من طفولتنا، قبل أن يُصبح لدينا سرير بطوابق ثلاث. طبعاً، تقديري للكنبة تزايد في السنوات الأخيرة إذ أصبحت المكان الذي تتمحور حوله الكثير من النشاطات التي أقوم بها.

في ذهن الكثيرين، ترتبط الكنبة بالكسل والكسالى، وهذا غالباً ما يأتي في سياق تحقير هؤلاء وكنباتهم. وهذا أمر مفهوم في منظومة تقوم قيمها على النمو والتطور. تلك القيم التي أصبحت تغذي دين البشريّة الذي يرتكز على سباق الجرذان، والذي يبدو بأنّ لا نهاية له. Continue reading “الكنبة: معبد الكسالى”

الضباب هو المنفى

stock-photo-99458139
Source: 500px by Stefan Mihaylov

 

في ذلك الصباح عندما نظرت من نافذة الغرفة إلى البحيرة والأبراج الباردة والغربان التي عادة ما أخاف منها، لم يكن هناك شيء. كل ما كان هناك هو بحر من الضباب.

ابتلع الضباب كل شيء. ابتلع رغبتي بالبقاء هنا، وابتلع رغبتي في الرحيل. هكذا، أصبحت عارياً من كل شيء. عارياً من الرغبات ومن الموت.

من أين يأتي ذلك الضباب الكثيف، والأبيض. ذلك الضباب الذي يرخي بظلاله على كل شيء. كيف يمكن لهذا الضباب أن يقتل كل شيء. كيف يمكن لهذا الضباب ان يسترسل في المكان. أن يتماهى مع كل شيء. أن تختفي غربان الصباح، وتتلاشى الأبنية الباردة.

الضباب هو المنفى، والنهاية.

ولكن هذا الضباب يختلف عن ذلك الضباب الذي كان على قمة جبل صنين. ذلك الضباب الذي كان يحمل في كثافته رغبات عميقة وبعيدة. كان يحمل حياة أخرى. على قمة جبل صنين، الحياة بعثت في كل شيء: في الوادي، والجبل، والاعشاب، والصخور. السماء كانت مكتظة بالنجوم والألوان. تلك السماء كانت واحة للنجوم. كانت بحر فيّاض متدفق، وكأن روح الآلهة تعيش هناك، في مكان قريب جداً من القلب، ومن الجسد، ومن الروح. تلك السماء كانت خلاقة. كانت متحركة.

كيف يُمكن لهذه السماء ان تحمل كل ذلك التوهج. كيف يمكن أن يتدفق الموت من تلك السماء، ويكون الموت شهياً، ولذيذاً. يكون موت باعث على الحياة. موت باعث على العشق.

هي صورة واحدة تختزنها الروح. تختزنها الذاكرة. هي صورة تختزل كل شيء. اختفاء الأبنية، والبحيرة والغربان لم يعنيني في ذلك الصباح البارد. ما كان يعنيني هو تلك الصورة التي شاهدتها على قمة جبل صنين.

هو انتماء لهذا الكون، لهذا الوجود الفوضوي والجميل. هذا الوجود الذي اغوص فيه كل يوم، الذي يعيش بداخلي. الذي يعيش في أعماق بعيدة، في الروح.