في المعبد


ّInstagram: Hanibaael

 

باحة المعبد الكبير تتسع لأرواح كثيرة، منها حاضرة وأخرى غائبة. عند دخولي الباحة، شعرت بصمت في كل الأرجاء. صمت عميق ومتدفق. لم اسمعه منذ زمن بعيد. فقط أنفاسي المتقطعة وصوت تكسر أوراق الأشجار تحت قدمي. المكان بدا مألوفاً، وكأنني أدخله للمرة الألف. لم يكن هناك أحد. المعبد مغلق. إنها الساعة السادسة ما بعد الظهر. تأخرت عن موعد الصلاة. كنت تائهاً في أروقة البلدة الصغيرة الموزعة ما بين نهرين.

تمشيت في الباحة وبين الأبنية الصغيرة التي هي سكن الرهبان. بعد قليل، وجدت عدداً من الرهبان الشبان، أكبرهم لا يتجاوز الثامنة عشر، يجلسون في نصف دائرة حول راهب كبير السن. تقدمت نحوهم. القيت السلام وابتسمت. ابتسموا وردوا السلام. الراهب العجوز نظر إليّ. في ملامحه سلام لم أجده في وجوه كثيرة. ابتسم ثم ضحك. نظر إلى الرهبان الصغار. تكلم معهم باللغة المحلية وضحكوا أيضاً. بعد نحو عشرة ثواني، استنتجت بأنهم يضحكون على كون لحيتي طويلة ورأسي خال من الشعر، بينما هم حليقي الرأس والذقن معاً.

سألتهم عن وقت الصلاة والتراتيل. أخبرني أحدهم بأن آتي في اليوم التالي عند الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر. وبعدها غادرتهم.

***

عدت في اليوم التالي عند الرابعة والنصف. لم أرد أن أفوت عليّ الصلاة والتراتيل، خصوصاً وأني بعد يومين سأغادر هذا المكان إلى مدينة أخرى.

دخلت باحة المعبد وكأنني أدخلها للمرة الأولى، رغم أن شيئاً لم يتغير منذ الأمس. من جديد، سحرني الصمت المتدفق والصفاء امتد في روحي.

لم يكن هناك أحد. لمحت أحد الرهبان الفتية يتهيأ للصلاة في غرفة صغيرة مجاورة للمعبد. اقتربت منه. القيت السلام عليه. أخبرني بأن موعد الصلاة عند الخامسة والنصف. دعاني إلى غرفته. خلعت حذائي ودخلت. غرفته لا تتجاوز مساحتها حجم الفرشة التي ينام عليها والتي لا تبلغ سماكتها أكثر من خمسة سنتيمترات. فوق الفرشة، وضع شمسية مفتوحة كون المطر كان يتسرب إليها. وإلى جانبها، مكبر صوت صغير كان يستمع من خلاله على محاضرة عن الفلسفة البوذية. مروحة صغيرة لم يكن يشغلها. سخان مياه وبعض من التوابل وعلبة من خشب البامبو يضع فيها الأكل الذي يتناوله. هذا كل ما تحتويه الغرفة.

أما الجدران فكانت مليئة بالأوراق الملصقة عليه. أخذ يخبرني عن كل ورقة معلقة. منها من المبادىء البوذية. اخرى تراتيل وبعضها الآخر “ماندالا” ملونة رسمها بيده، إضافة إلى رسومات لبوذا رسمها بيده أيضاً.

هذا الراهب الصغير أخبرني بأنه كل يوم بعد انتهاء دوام مدرسته يأتي إلى المعبد ليتعلم البوذية، وهو يعيش في هذه الغرفة منذ مدة. أخبرني أيضاً عن مخططاته المستقبلية، إذ سيذهب العام القادم إلى تايلند ليكمل دراسته الجامعية هناك. يريد تعلم اللغة البالية، وهي اللغة الأساسية التي كتبت بها التعاليم البوذية. يريد أن يعرف بالضبط ما قاله “اللورد بوذا”، كما يسميه، وليس فقط الترجمة التي يقرأ بها حالياً النصوص.

لا أعرف كم مضى من وقت ونحن نتحدث في تلك الغرفة. بعدها استأذن مني، لأنه يريد ممارسة التأمل قبل الصلاة. خرجت من الغرفة، وودعته. وأنتظرت في الباحة لحين موعد الصلاة.

وبعد دخول كل الرهبان، دخلت المعبد.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s