انقطاع الكهرباء: سرديّة الحرب والسلم في لبنان

e87b6e72a7651b1510847013dbf0aa34

 

e87b6e72a7651b1510847013dbf0aa34.jpg

هاني نعيم

إنها الساعة السابعة مساءً من إحدى ليالي الشتاء الطويل في لبنان. انقطعت الكهرباء. يتم احضار الشمعة او لمبة فلوريسنت تعمل على البطاريّة. تجتمع العائلة كلها، وبما أنّ التلفلزيون لم يعد له أي قيمة، ككل الآلآت والمكنات، في ظل انقطاع الكهرباء، فإنّ العائلة ستأخذ دور التلفزيون عبر سرد القصص القديمة.

كلما انقطعت الكهرباء، يحلّ الصمت، تجتمع العائلة، يتوقف السلم الأهلي، تُضاء الشمعة التي على ظلها يتم استحضار روح الحرب الأهليّة التي استمرت قرابة عقد ونصف. ويبدأ سرد القصص من الأب، الأم، وأحياناً العم(ة) وكل من عاش أحداث الحرب وكان حاضراً لحظة انقطاع الكهرباء.

في التسعينات وحتى عام 2005، لم تعش البلاد أحداث مهمة. كانت الحرب قد انتهت بعد هدنة الطائف، ودخلت البلاد في جو من السلم الأهلي المزيّف. هكذا، كانت الحكايا والقصص التي تسرد مع انقطاع الكهرباء تتمحور حول الحرب الأهليّة التي عاشها الأهل.

إذا ولدت في الثمانينات، فإنّ ذاكرتك في التسعينات تحمل هذا المشهد.

عادة ما تملك العائلة حوالي 4 قصص أساسيّة عن الحرب. ترويها مراراً وتكراراً. وكأنّ الحرب بالنسبة لها هي مجرّد عدد محدود جداً من الأحداث، أما سنوات الحرب فهي مجرّد تمرير للوقت، والبقاء على قيد الحياة. هذه القصص تتشاركها أغلب العائلات تقريباً، ويكاد يكون هناك سرديّة واحدة لجميعها.

قصة ميلادك: “انت خلقت بيوم قصف وضرب”. هذه القصة مركزيّة في ذاكرة العائلة لأسباب عديدة منها، أنّ الناس أثناء الحرب تتزواج وتتكاثر بنسبة مرتفعة خوفاً من الإنقراض والموت من جهة، ومن جهة اخرى، هي تعبير عن إرادة الحياة ومقاومة للموت وأيضاً سخرية من الحرب بحد ذاتها.

ولأنّ الحرب الاهلية التي استمرت قرابة عقد ونصف هي عبارة عن حروب صغيرة داخل الحرب الكبرى، فالجيل الذي ولد في منتصف السبعينات والثمانينات هو الجيل الذي ولد خلال “حرب السنتين”، “حرب الاجتياح”، “حرب الجبل”، “انتفاضة 6 شباط”، “معركة العلمين”، “حرب المخيمات”، “حرب الالغاء”، “حصار زحلة”، و”حرب عون” وغيرها من المعارك الجانبيّة.

Checkpoint_4,_Beirut_1982

قصة عبور الحواجز: دائماً ما يذكر والدي الطريقة والنبرة (attitude) التي كان يتحدث إليها للمقاتلين الذين يقفون على الحواجز، وكيف أنّ لكل ميلشيا لها طريقتها في التعامل معها للعبور بسلام دون أي مشاكل. كما ويذكر الطريقة التي كانت فيها والدته (جدتي التي لم اعرفها) تتحدث بها إلى المسلحين على الحواجز أثناء عبورها مع أطفالها، إذ عادة ما كانت توبّخهم بثقة، وهذا ما ساعدها على التنقل دون مشاكل.

الحواجز التي كانت تقيمها الميليشيات، في كل الطرقات الرئيسية والفرعيّة، شكّلت أبرز ملامح الحرب الأهليّة. كان يستلزم انتقال العائلة من بيروت إلى المتن مثلاً، حيث تقع قرية والدتي، ساعات طويلة. وللوصول إلى هناك، كان على الأهل أن يمرّوا على حواجز تابعة للحزب التقدمي الاشتراكي، حزب الكتائب، المرابطون، القوات اللبنانية، حركة فتح، حركة أمل، والشيوعي، إضافة إلى حواجز الجيوش المحتلة، أي الجيش البعث السوري والجيش الإسرائيلي.

قصة الخطف في يوم اسود: يُخبرنا والدي عن اليوم الذي نجا فيه من الخطف عندما كان عائداً من عمله في الكرنتينا. ولكنّ أكثر قصة يسردها مراراً وتكراراً هي قصة اختطافه من قبل إحدى الميليشيات الطائفيّة في يوم كان مليء بالخطف العشوائي.

“كنت راجع من شغلي وخطفوني. وقتها كنّا شي عشرين شخص بالاوضة، وجابولنا جلاد كان مخطوف من ميليشيا تانية. وبلّش يفش خلقو فينا. كان وقتها يرمينا ع الدرج نحن ومربطين ويسألنا “مبسوطين؟”. بتذكر لما حطوني باوضة وكيس براسي، كان بدو يصفيني. وقتها، بسمع صوت حدا من الاوضة التانية عم يقول “ما تقوصوا، هيدا الزلمي من حينا”. وهيك زمطت”.

كل عائلة تقريباً لديها قصة تسردها عن الخطف، ورغم مرور 26 سنة على توقيع اتفاق الهدنة التي كرّست هزيمة المسيحيين وانتصار المسلمين في لبنان، مازال هناك العشرات من الأشخاص الذين اختفطوا خلال الحرب ولم يعودوا حتى اليوم إلى منازلهم، ومازالت عائلاتهم بانتظارهم. البعض منهم وجد في مقابر جماعيّة اكتشفت بعد الحرب، وآخرون مازالوا في سجون النظام البعثي في سوريا، وآخرون لا معلومات عنهم.

قصة “زمطنا ع لحظة”: لوالدي ووالدتي عدة قصص عن “الزمطة من الموت”، وعن المرات التي قصف فيها الحي الذي نقطن فيه في وطى المصطيبة. في عام 1976، سقطت قذيفة أثناء قصف الجيش السوري لبيروت الغربيّة على منزلنا، وأصيبت جدتي حينها، لتتوفى بعدها بسنوات عدة. وخلال الاجتياح عام 1982، قصف الجيش الإسرائيلي أحد منازل الحي الذي يسكنه فلسطينيّون مع حركة فتح.

القصف العشوائي أيضاً كان جزء من اليوميات، بالتالي من الطبيعي أنّ الذين استطاعوا البقاء على قيد الحياة أثناء الحرب، لديهم الكثير من قصص “زمطنا ع لحظة” في مرحلة ما بعد الحرب.

وبعيداً عن القصص، يُردد الأهل على مسامعنا، خصوصاً عند انقطاع الكهرباء، مقولات مثل “أيام الحرب كانت احلى رغم القصف والدمار”، “وقت الحرب كنّا مرتاحين اكتر”. وهو ما يؤكّد على انّ أيام السلم التي جاءت بعد توقيع هدنة الطائف اسوأ من تلك التي عاشوها خلال الحرب.

وهذا يعود لسبب أساسي وهو أنّه خلال الحرب، كانت قوى الأمر الواقع (الميليشيات) تنظّم حياة الناس بشكل مباشر إضافة للمساعدات والخدمات التي كانت تمنحها لسكان المناطق الخاضعة لها. أما في فترة السلم، فإنّ دور قوى الأمر الواقع تراجع واكتفت تلك القوى برعاية المحازبين المباشرين لها، أما غالبيّة السكان فقد تركوا لرعاية مؤسسات الدولة التي فشلت في تقديم الحد الأدنى من الخدمات من جهة، وبدأت سياساتها الرأسماليّة تزيد من إفقار الفقراء والمهمشين.

ورغم كل سرديّة “السلم الأهلي” التي حاولت الأطراف اللبنانيّة إرسائها إن كان عبر “ورشة إعمار بيروت”، “عودة المهجرين”، “الإنماء والإعمار”، و”تفكيك الميليشيات وعودة الشرعيّة”، فإنّ هذه السرديّة كانت تختفي كلما انقطعت الكهرباء، لتحل محلها سردية “الحرب الأهليّة”، والحنين لـ”الزمن الجميل”.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

6 thoughts on “انقطاع الكهرباء: سرديّة الحرب والسلم في لبنان”

  1. ولم يعودوا حتى اليوم إلى منازلهم، ومازالت عائلاتهم بانتظارهم. البعض منهم وجد في مقابر جماعيّة اكتشفت بعد الحرب، وآخرون مازالوا في سجون النظام البعثي في سوريا، وآخرون لا معلومات عنهم.**

    هذا الانتظار الذي لا تود ان ينتهي
    تتمناه انتظار أبدي😦

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s