الكنبة: معبد الكسالى


stock-photo-67705533
Source: 500px by Pierpaolo De Gennaro

 

بغض النظر عن جنس الشخص الذي اخترع الكنبة، فهو بلا شك “ass person”، أو ما يُمكن تسميته أيضاً بـ”المأخوذ بالمؤخرات”. فهو يفهمها جيداً، ويُعرف كيف يُقدّرها.

علاقتي مع الكنبة تمتد إلى عهد قديم. فهي كانت سريراً، لي ولأخي الأصغر لفترة طويلة من طفولتنا، قبل أن يُصبح لدينا سرير بطوابق ثلاث. طبعاً، تقديري للكنبة تزايد في السنوات الأخيرة إذ أصبحت المكان الذي تتمحور حوله الكثير من النشاطات التي أقوم بها.

في ذهن الكثيرين، ترتبط الكنبة بالكسل والكسالى، وهذا غالباً ما يأتي في سياق تحقير هؤلاء وكنباتهم. وهذا أمر مفهوم في منظومة تقوم قيمها على النمو والتطور. تلك القيم التي أصبحت تغذي دين البشريّة الذي يرتكز على سباق الجرذان، والذي يبدو بأنّ لا نهاية له.

بالنسبة لي، الكنبة هي معبد الكسالى ووطنهم. على هذا الشيء الممتد يُمكن لي القيام بعدد لا يُحصى من النشاطات المتنوعة والتي تُدخل البهجة إلى الجسد، الروح، القلب والذهن، وكأنّها مصدر لعلاج جروحنا وراحة أنفسنا.

عندما أكون في الخارج، ومع الآخرين، تراودني الكنبة على غفلة. تعبر مخيّلتي صورة الجلوس أو التمدد عليها. وتأخذني رغبة الإنسحاب من الإجتماعي لأدخل في الخاص، إلى عالم الكنبة حيث تنتهي حدود العالم الخارجي.

عندما تراودني الكنبة، استعجل الرحيل. اخترع حجج مختلفة، وهذه مهارة اكتسبتها مع تقدمي بالسن، لأعود إلى المنزل، أخلع ملابسي الخفيفة بدقائق معدودة، وأجلس على الكنبة حتى وقت متأخر من الليل، أو حتى ساعات الصباح الأولى.

اشرب كأس الكحول، القهوة أم الشاي، أثناء قرائتي لإحدى الروايات أم مشاهدتي لفيلم (أو حلقة من مسلسل) أم حتى “سورفينغ الإنترنت”، وهي إحدى رياضاتي المفضلة، إلى جانب الفنون القتالية التي بدأتها منذ عامين.

عام 2008، سكنت مع صديقين، أحدهما أصبح من مشاهير الإعلام في البلاد، في إحدى الغرف في فندق قديم ينتمي إلى عالم روايات أغاثا كريستي، في أحد متفرعات شارع الحمرا. الكثير من الأمور الغريبة كانت تحصل في ذلك الفندق، عدا عن أنّ جرائم قتل حصلت في غرفه وأروقته في سبعينيّات القرن الماضي، إضافة إلى انتحار أحد نزلائه، على حد قول العاملين والمشرفين على الفندق.

كانت تضم الغرفة ثلاثة اسرّة، حنفيّة ومغسلة، براد صغير ممتلىء دائماً بزجاجات البيرة، مرآة وخزانة. أما الحمام فقد كان مشتركاً مع الطابق. ما كان يُزعجني في غرفتنا هو عدم احتوائها على كنبة. كنت أجد صعوبة في التسكع المنزلي، إذ أنّ استخدام السرير ككنبة متعب للجسد، ويُدخل الذهن في حالة من الشعور بالنعس، وبالتالي هو  ليس دخول إلى الخاص، بل دخول إلى عالم تتداخل فيه اليقظة بالحلم، وهو ما يبعدنا عن عالم الكنبة.

بعد سنة ونصف، ومع ارتفاع أجار الغرفة، انتقلنا إلى شقة صغيرة جداً في أحد أحياء عين الرمانة، في إحدى ضواحي بيروت. حينها، أصبح لدينا غرفة صالون. جلبنا كنبتين مفردتين (تتسع الواحدة لشخص واحد)، بلون أزرق  غامق، إضافة إلى كنبة بيضاء كبيرة مصنوعة من مادة الجلد، ولكنها لم تكن صالحة للجلوس عليها، ولكننا احتفظنا بها كونها تملأ فراغاً ما في البيت، وفي الوقت عينه لم يكن لدينا المال لنشتري اخرى.

في تلك الفترة، كنت في حالة من اللاانتماء. اللاانتماء لأي شيء. هكذا تحوّلت الكنبة الصغيرة إلى موطن كبير يتّسع لكل ما كنت امر به حينها.

ليال طويلة كانت تمر على هذه الكنبة، ورغم أني كنت اعمل في تلك الأثناء في دوام صباحي وعمل ليليّ، فقد استطعت أن أجد وقت مخصص فقط للكنبة حتى ولو أقم بشيء أثناء جلوسي عليها. كما وتحوّلت الكنبة إلى المكان الذي أمارس فيه التأمل، إذ كانت أكثر مكان مناسب لذلك. هكذا، بدأت أرى الجانب الروحي من ذلك الشيء الفاقد للروح.

في صيف 2011، غادرت بيروت، وأنتقلت للعمل في مدينة الزجاج والرمل، دبي. في الأستديو الذي عشت فيه لثلاث سنوات كانت هناك كنبة كبيرة، بنيّة اللون. تلك الكنبة شهدت الكثير من الأحداث التي لست بوارد ذكرها في هذه اللحظة، ولكنها كانت مكاناً أقضي فيه الكثير من الأيام والليالي.

أحياناً، كان يمر ثلاثة أيام دون أن أخرج من المنزل، ودون أن اتحدث إلى أي شخص. كنت فقط أجلس على الكنبة. أقرأ ما أريد، وأكتب قصص قصيرة عن شخص يجلس على الكنبة ولا يُريد الخروج من غرفته، وأشاهد الأفلام المفضلة لديّ. وأيضاً، فوق تلك الكنبة، أعددت كتابي الورقي الأول الذي نشرته عام 2013، بعنوان “غرافيتي الإنتفاضات”.

أثناء ذلك، نشطت في مجموعة “CouchSurfing” التي تقوم على استقبال المسافرين والرحالة على الكنبة الخاصة بك، ودون مقابل، لمدة قصيرة جداً، تتراوح ما بين الليلة والخمسة ليالي. خلال سنتين، استقبلت أكثر من 15 شخصاً من القارات الخمسة، ومن خلفيّات مختلفة. وهكذا، كانت الكنبة معبراً لي للتعرّف على ثقافات مختلفة، من دون أن أترك كنبتي.

في تلك السنوات الثلاث، تغيّرت نظرتي تجاه الكنبة، العلاقات، العالم والكون. وأصبحت الكنبة هي الجسر بيني وبين العزلة، وبيني وبين العالم. هي مكان التقاء التضاد.

في السنة الأخيرة، ومع ارتفاع الاجارات في المدينة التي أقطن فيها، انتقلت مع صديق لي للعيش في إحدى الشقق في أحد الأبراج. تغيّرت الكنبة. أصبحت كحليّة اللون.

على هذه الكنبة، أمضي أغلب الليالي التي أنام فيها في المنزل، وأيضاً خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما لا أذهب للتخييم على البحر أو على الجبل في عُمان. فقد أصبحت الكنبة جزءً من المشاريع التي أخطط للقيام بها.

عندما يسألني أحدهم “ما هي مشاريعك لنهاية الأسبوع؟”. أجيب: “الكنبة. سأجلس على الكنبة”. واليوم، بدأت أجد صعوبة في النهوض عن الكنبة للقيام بالالتزامات الإجتماعيّة، بما فيها تلك التي تتضمن احتساء القهوة مع أحد الرفاق. اكتشفت بأنّ الجلوس على الكنبة، كدخول الحمام، سهل ولكن الخروج منه صعب. أصبحت قبل الجلوس على الكنبة، اتأكد من أنّي لن أكون مجبر على مغادرتها في الساعات الستة التالية.

عند جلوسي على الكنبة، اتمنى أن ينساني الجميع. أتوقف عن الرد على هاتفي، خصوصاً ما إذا كان الإتصال مفاجىء. أبقى هناك، واقرأ الكتاب الذي أريده، أم أكتب ترّهات ما. وأحياناً، إن كنت مرتبطاً بالتزام ما، أشعر برغبة عميقة بأنّي لا أريد مغادرة الكنبة، واتمنى أن يقوم الشخص الآخر بإلغاءه كي لا اضطر لاختراع عذر لعدم ذهابي، وذلك لأسباب مرتبطة بالكسل.

نهوضي عن الكنبة يُشعرني بعبىء وثقل. تُرهقني فكرة القيام عن الكنبة لأرتدي ملابسي وأغادر الغرفة. كما وأنّ الجلوس على الكنبة هو فعل صديق للبيئة، ومناسب لكوكب الأرض. إذ أنّ البقاء هناك يعني عدم استخدام السيارة، حرق البترول، واستهلاك للموارد والسلع، وهو أيضاً فعل صديق للجيبة ويُساعد على الإدّخار بما يؤهلني للجلوس لفترات أطول على الكنبة في السنوات القادمة.

عندما التقي بأحد أعضاء “حزب الكنبة”، كما يُحب الثوريّون التافهون تسميتنا، أشعر بأني التقيت أحد أعضاء الأخويّة الذين يفهمون من أين أتيت، وإلى أين سأمضي. هؤلاء لا يعتبون عليّ، وهُم بأنفسهم يكونوا جالسون على كنبتهم.

لا يوجد منظمة أو حتى ديانة في العالم تأخذ من الكنبة رمزاً لها. لو علّق المسيح على كنبة، لكانت الكنبايات سترتفع فوق قبب الكنائس بدل الصلبان. لا أعرف ما إذا هذا الشيء هو أمر جيد أم لا. لو كان كذلك، لكان النص الذي قرأتوه للتو مجرّد نص لاهوتي، ماورائي، وتبشيري، وهو ما لا أريده أبداً.

بغض النظر عن كل ما ورد أعلاه، فعالمنا الآيل للانهيار بحاجة إلى مزيد من الكنبايات المريحة والكسالى.

إلى ذلك الحين، وفي الاعوام القادمة، سأجلس أكثر على كنبتي، حيث أشاهد الإنهيار الجميل لهذا العالم، وأكتب بعضاً من فصول الفرح والواقع.

 

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “الكنبة: معبد الكسالى”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s