جذور هويّتي الطبقية


هاني نعيم

المنزل الذي ولدت فيه
المنزل الذي ولدت فيه

 

لا أعرف متى بدأ ينمو الحقد الطبقي لديّ. منذ صغري لم أختلط بالأغنياء ولا بأبنائهم. أصدقائي كانوا مثلي. يشبهوني بالخلفيّة الطبقيّة.

أذكر عندما كنت طفلاً، ربما في السادسة من عمري، أخذوني اهلي إلى عيد ميلاد ابنة الرجل الذي كان يعمل والدي لديه كمرافق وسائق. أذكر تلك الليلة لأنّ والدي قام بالتقاط صورة لي مع الأطفال الآخرين الذين كانوا في عيد الميلاد. عندما أنظر إلى تلك الصورة، أبدو وكأن أحدهم عدّل الصورة عبر الفوتوشوب ووضعني هناك. لم أكن في المكان الذي أنتمي إليه.

الآن، عندما تعود بي الذاكرة إلى ذلك اليوم، أي قبل 22 سنة، أشعر بثقل المكان والناس الذين كانوا هناك. كل شيء كان انيق. الشقة كانت واسعة جداً، والأطفال يرتدون ملابس تبدو أنّها ملابس جديدة، أما أهاليهم فكانوا في غاية التصنّع.

لا أعرف كيف اذكر هذه التفاصيل وثقلها على روحي مع أنها كانت مجرّد مناسبة عابرة ولا معنى لها. ولكن هذه الليلة تبدو أنّها علقت في مكان ما في الذاكرة، وغذت حقد طبقي على عالم الأغنياء وثرواتهم.

هذا الحقد الطبقي نمى مع مرور السنوات، وفي كل مرة أجد نفسي أنتمي إلى المكان الذي جئت منه. ذلك الحي البسيط والجميل الواقع على المدخل الجنوبي لمدينة بيروت، الذي مازالت آثار الحرب الاهليّة واضحة على منازله وازقته الضيّقة. وللمفارقة، هذا الحي لم تغب عنه الحرب، إذ عادت إليه في ليلة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري عام 2005.

اتحدّر من عائلة لم تمتلك يوماً شيئاً سوى بيت صغير في ذلك الحي، بناه جد والدي في اربعينات القرن الماضي. جدّي، والد والدي، الذي شارك كغيره في الحرب الاهليّة، أمضى سنواته الأخيرة بائع للتبغ تحت جسر الكولا، وكارهاً للمخابرات السوريّة التي كانت تُريد منعه من بيع التبغ، ولكنّه رغم ذلك، بقي يبيع التبغ إلى ان توفي عام 1993. كذلك الأمر لجدي (77 سنة)، والد والدتي، الذي أمضى جزء كبير من حياته في السعودية يعمل في ورش العمار، ويعمل اليوم كسائق تاكسي متنقلاً ما بين بيروت والجبل.

أما والدي فعمل لفترات طويلة من حياته كسائق تاكسي، وناطور إحدى الأبنية في شارع الحمرا، وقد كان عمل والدي هناك، نافذة لي لأذهب إلى شارع الحمرا في بدايات عام 2001.

BeFunky_IMG_0549.jpg
جانب من الحي

 

كنت أذهب أنا وأخي الذي يصغرني بسنتين ونصف كل يوم سبت مع والدي إلى عمله، لنساعده في تنظيف طوابق المبنى، المدخل، والرصيف الملاصق للمبنى. هناك، كنا نقضي الوقت مع أصدقاء والدي الذين يعملون في مهن مختلفة، منهم من يقوم بتشغيل موقف السيارات، سائقون خاصون، وبائعو أوراق يانصيب الذين اقنعوا والدي بشراء ورقة اليانصيب، علّه يُغيّر من وضعه المالي، كون هذا الحل الوحيد الذي باستطاعته أن يقوم به، ولكن طبعاً لم ولن يربح اليانصيب يوماً.

وقبل ذلك بسنوات طويلة، كنت أذهب مع والدي إلى عمله حيث عمل حوالي سنة ونصف في مجال بيع مكنات التنظيف الكهربائيّة. كنا نذهب إلى المنازل، ويقوم والدي بعرض مميزات (Demonstration) المكنة. دخلنا إلى أكثر من مئتي منزل في تلك الفترة. إلى منازل الفقراء ومنازل الأغنياء. جلسنا في منازلهم، وتحدثنا إليهم.

كنت اعتبر منازل الفقراء منزلي، فهي لا تختلف عن المنزل الذي ولدت فيه، وكنت أشعر أنّي انتمى إلى أهلها. وفي كل مرة كنا نزور فيها منزل أحد الأغنياء، كنت أشعر بازدراء تجاههم، ولكنّي لم أقم بالسابق بالتعبير عن ذلك الشعور. كنت اعتقد أنّه يجب ألا أحقد على أحد. ولكنّي مع الوقت تعلمت الكثير من الأشياء، ومنها أن اعبّر عن انتمائي الطبقي الذي يُشكّل جزء أساسي من هويّتي ووجودي.

أما والدتي، فقد عملت لسنوات عديدة في أعمال مختلفة، منها كمساعدة في دار الأيتام الذي يقع قرب منزلنا، إضافة إلى عملها كمعدّة للقهوة في أحد المصارف. ولكنّ الظروف الصحيّة لم تساعدها دائماً على العمل الذي كان يُنهكها، ولكنّها كانت تحبه، وأحياناً كانت تقوم بتدريس بعض أبناء وبنات الحي.

هذا جزء من سياقي العائلي والاجتماعي الذي جئت منه، أما سياقي الشخصي فلا يختلف كثيراً إذ بدأت العمل في مواسم الصيف، منذ ان كنت في الرابعة عشر من عمري، إلى ان أصبحت في الثامنة عشر، وبدأت العمل بشكل دائم. عملت في الكثير من المهن، من مساعد لسائق باص صغير على خط الضواحي الجنوبية والشماليّة لبيروت إلى صحافي، مروراً بالتصوير، ملئ استمارات أسئلة في الشوارع، عامل في ورش الدهان، مصوّر وغيرها من الأعمال الأخرى.

في هذا السياق تشكّل جزء كبير من وعيي الطبقي، كما أنّ انتمائي الطبقي تجذّر أكثر في شخصيّتي بعد انتقالي للعمل في مدينة الرمل والزجاج. وفي الحروب الدائرة في هذا الشرق الملعون، أجد نفسي إلى جانب الذين هُم تحت، الثائرون بوجه السلطة، عشّاق الحريّة، هادمو الهياكل، الخارجون عن القانون، الطفار، المنتفضون على سلطات أصحاب العمامات، ربطات العنق والهراوات.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “جذور هويّتي الطبقية”

  1. لي كل الفخر والاعتزاز بان ابن اخي انسان شفاف وواضح وبسيط بكتاباته التي تدخل القلب من دون استئذان بوصف جذوره والبيئة التي تربى بها
    الى الامام يا الغالي ولي رؤية بان يوما من الايام سيذكرك التاريخ كما ذكر جبران خليل جبران

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s