الحقبة الضائعة: الفوتبول، كرة السلة والاحتلال السوري


مباراة الأنصار والنجمة على ملعب برج حمود

بعد سنة على كتابتنا المراسلات بيني وبين الصديقة سهى عواد عن حقبة التسعينات الضائعة، نعود اليوم لنكتب بعض من تلك القصص.

هاني

سهى،

لم أكتب لك منذ فترة طويلة. خلال الأسبوع الماضي، راودتني ذكريات عن التسعينات. ولاحظت بانّ العديد من القصص لم نتناولها في المرة الأولى التي كتبنا فيها عن تلك الحقبة. اليوم، أعود وأكتب إليك، بعض من تلك القصص.

لا أعتقد أنّي أخبرتك في السابق بأنّي لعبت كرة القدم منذ أن كنت في الخامسة من عمري. قد تكون هي اللعبة الوحيدة التي أحببتها كثيراً.

في حي وطى المصيطبة، حيث ولدت وعشت حتى بلوغي العشرين عاماً، كان يُمكننا أن نحوّل أي زاوية إلى ملعب صغير لنا. كنّا نلعب في الزقاق الضيّق أمام المنزل، وفي “بورة الرمل” التابعة لنقابة المهندسين خلف الحي، وفي بعض الأيام في ملعب “الانترانيك” الرملي الذي يقع خلف ملعب نادي الصفاء لكرة القدم.

كرة القدم هي لعبة الفقراء لأنّ أنت لست بحاجة سوى إلى كرة قد يبلغ سعرها ثلاثة دولارات، وإذا لم يتوفر ذلك المبلغ، كنّا نخترع كرتنا الخاصة من خلال جمع أوراق في كيس واحد، نلصقه جيّداً، نلعب لمدة نصف ساعة قبل أن تتطاير الأوراق من الكيس ونعود إلى دوامة البحث عن كرة أخرى.

ذلك الحي، يا سهى، الذي لم أذهب إليه في زيارتي الأخيرة لبيروت، ولد فيه العشرات من لاعبي كرة القدم المحترفين الذين لعبوا مع أندية الدرجة الأولى، والعديد منهم كانوا في صفوف المنتخب اللبناني، خصوصاً في فترة التسعينات الضائعة.

هؤلاء الكبار ألهمونا في لعبتنا. كنّا نتمثّل بهم. ولأنّ التراث الكروي موجود في الحي منذ السبعينات، فإنّ أبناء جيلي انخرطوا في أندية رياضيّة، وأصبحوا لاعبين محترفين. عندما أصبحت في الثانية عشرة من عمري، أنخرطت بنادي الصفاء، وبدأت اتدرب معهم في فريق “ّمواليد 85-86” كونه كان من الأندية القليلة التي لديها مدارس للفئات العمريّة الصغيرة.

آنذاك عشت معضلتين. كنت ألعب مع نادي الصفاء، ولكنّي كنت من مشجعي نادي الأنصار، الذي يقع في منطقة طريق الجديدة المجاورة لوطى المصيطبة. هذه المعضلة لم تستمر طويلاً، إذ اعتبرت أنّي يمكنني أن أقوم بالإثنين معاً.

شكّلت كرة القدم محور حياتنا. كنت في يوم عطلتي ألعب الفوتبول طوال النهار، وفي الموسم الدراسي، ألعب الفوتبول بعد الانتهاء من الواجبات المدرسيّة. كان المطر يعني أنّه علينا تأجيل المباريات. أما الصيف فهو عبارة عن مباراة طويلة جداً.

لم أكن ذلك اللاعب الفذ. كنت مجرّد لاعب آخر في الفريق. ألعب في “منطقة الدفاع”. كنت أدافع بشراسة، وأمنع أي مهاجم من تسجيل هدف في مرمى الفريق. وهذا ما منحني “سمعة لا بأس بها” بين رفاق الحي.

في تلك الفترة، أحياء بيروت كانت مفتوحة على بعضها البعض. تحوّل الحي إلى مركز كروي للاحياء البيروتيّة المجاورة. إذ بدأ أبناء الحي بتنظيم دورات كرويّة يُشارك فيها اندية من حي طريق الجديدة، مار الياس، المصيطبة، رمل الظريف، وغيرها من الأحياء.

هذه الدورات كانت تضيف على الحي جو من الحماس، وكانت فرصة لنلتقي بأناس من الأحياء المختلفة. إذ أنّه ليس كرة القدم وحدها جمعتنا، بل الفقر أيضاً.

للأسف، هذه الدورات الكرويّة غابت عشية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005. حلّت مكانها الدورات العسكريّة. أما مباريات الفوتبول، فأصبحت عبارة عن اشتباكات مسلحة وعمليات قنص متقطعة، مازالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور. وقد تستمر لفترة طويلة جداً.

أغلقت الأحياء بجدران نفسيّة فيما بينها، وتحوّل جسر الكولا الذي كان صلة وصل ما بين وطى المصيطبة وطريق الجديدة إلى خط تماس أحمر لا يعبره أحد.

عملية اغتيال رفيق الحريري لم تؤثر فقط على لعبة كرة القدم في الأحياء الشعبيّة، بل حتى على دوري الدرجة الأولى. في التسعينات، كانت هذه اللعبة في اوجها. انتهت الحرب الأهلية، وأصبحت هذه اللعبة، مكان للتنفيس الشعبي وللالتقاء أيضاً.

كنت مشجعاً متطرفاً. كان لديّ العلم الأخضر لفريق الأنصار أحمله معي في كل مباراة أذهب لمشاهدتها في الملعب، حتى المباريات التي كانت تجري في برج حمود، طرابلس، والبقاع. كنت اذهب مع والدي إذ كان حينها يعمل في الاتحاد اللبناني لكرة القدم في أيام نهاية الأسبوع. لم يكن أحد من رفاق الحي يُرافقني إلى المباراة، كونهم كانوا من مشجعي نادي النجمة. وبعد سنوات، أصبحت أذهب معهم إلى مباريات نادي النجمة، ولكنّي بقيت مشجعاً للأنصار.

 المدينة الرياضية بعد تدميرها من قبل الاحتلال الإسرائيلي
المدينة الرياضية بعد تدميرها من قبل الاحتلال الإسرائيلي

تذكرين يا سهى في عام 1997، عندما أعيد افتتاح المدينة الرياضية في بيروت؟

هذه الفترة كانت مفصلية في لبنان. حينها، افتتحت “المدينة الرياضية” التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي أثناء اجتياحه بيروت عام 1982، بحجة وجود مقاتلين فيها. وقد أعيد ترميمها منذ بداية 1993، وافتتحت مع استضافة بيروت لدورة الألعاب العربية في تموز 1997. طبعاً، افتتاح هذا الصرح، شكّل رمزيّة “نجاح الحقبة الحريرية” في إعادة إعمار البلاد.

في تلك الدورة، ذهبت مع أبناء عمي وبعض رفاق الحي لمشاهدة مباراة المنتخب اللبناني في مواجهة المنتخب السوري. حينها حضر حوالي 40 ألف متفرج إلى الملعب. 10 الاف منهم للمنتخب السوري، كنا نعتقد بانّهم عناصر مخابرات وجنود للجيش السوري.

تلك المباريات كانت مناسبة للانتقام السياسي من الاحتلال البعثي للبنان. كنّا نذهب إلى الملعب ليس لمشاهدة المباراة، بل لشتم “سوريا” التي كانت بالنسبة لنا هي مجرّد جيشها ومخابراتها الذين يحتلون البلاد ويذلون ناسها. هكذا أصبح الملعب مكاناً سياسياً نشتم فيه النظام السوري بحريّة، إذ أنّه كان من الصعب ملاحقة عشرات الالاف من الناس في وقت واحد، إذ كان القيام بالأمر ذاته في الشوارع والأزقة سيُعرّض حياة الأفراد لخطر.

بعد تلك المباراة، قامت عناصر من المخابرات السورية بضرب بعض الناس على المدرجات، ومطاردتهم في الشوارع. النتيجة كانت عدد من الجرحى من اللبنانيين والسوريين.

هذه الحالة أصبحت تتكرر مع كل مباراة ما بين لبنان وسوريا، إذ هي المناسبة الوحيدة التي يُمكن فيها للبنانيين شتم “سوريا” بشكل علني، ولكن في دورة كأس آسيا عام 2000، تطورت الأمور كثيراً، وقتل العديد من المدنيين اللبنانيين وعناصر المخابرات السوريّة في شوارع بيروت. وطبعاً، هذه الأحداث لم تر النور على الإعلام.

لا أعتقد بأنك تحبين كرة القدم، ولكنّي أعلم أنك تربيت على كره الاحتلال السوري ولحم البقر. هل مازلت تكرهين لحم البقر؟

سهى 

هاني،

قد تتفاجأ أن قلت لك أنني لعبت كرة القدم عدة مرات. لعبت كرة القدم في ساحة كنيسة مار يوحنا الأثرية، في جبيل، على البلاط القديم الذي ينقل الصدى بطريقة مثالية، ما كان يستدعي الراهب المسؤول إلى توجيه الملاحظات إلينا أو حتى منعنا. لعبت كرة القدم في باحة البناية السفلية، التي خدمت كملجأ لنا ولسائر العائلات التي كانت تسكن المبنى في حربي الالغاء والتحرير بين سنوات 1988-1990. لعبت كرة القدم في جنينية كريستين، الأرملة الأرمنية التي تملك أكثر من ثلاث قطط ، أكثر من عشرين صورة بالأسود والأبيض لرجال بوجه واحد وثوب وحيد أسود اللون والرائحة. قمنا، أنا وبعض أولاد الجيران، باستصئال نباتاتها من حديقتها لنتمكن من زرع الحمص، وعندما فشلنا، قررنا أن نحوّل هذه المساحة إلى ملعب صغير مطل على سكة القطار الصدئة.

لعبت الفوتبول دون كره، دون حب أيضًا. كان مجرد نوع من الألعاب التي يمارسها أطفال في الثامنة من العمر. حتى أنني لا أعرف من النجمة والأنصار سوى أسماء قذفها الهواء من الجهة الأخرى للحائط. أما عن افتتاح المدينة الرياضية في بيروت، فأنا لا أذكر هذا الحدث اطلاقًا. أين حدث؟ في بيروت.  آه هناك. الكثير يحدث هناك ولا شيء يحدث هنا. قد يكون الحدث الأبرز في 1997 مجيء البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان. هذا طبعًا، بالاضافة إلى انتقالنا إلى بيتنا الجديد، بعيدًا عن السوق واكتشافي لأغاني مايكل جاكسون، لكن مدينة رياضية، لا.

فيديو من نهائي كأس آسيا لكرة السلة عام 1999

ما إن مرت بضع سنوات، حتى غزت عقلنا لعبة جديدة. لم يكن لعبها مهمًا بالنسبة لنا بقدر ما كانت مشاهدتها والتشجيع لفريقها الأبرز، الحكمة انذاك، موضة، سرعان ما أصبحت هوس جماعي. كنا ننتظر مبارياتها الحاسمة ولاسيّما تلك العربية منها والآسوية. حين يتحدى فريق لبناني، فرقًا عربية وآسيوية أخرى ويفوز. وتبدأ الكونفوايات، المسيرات بالسيارات، تزينها الأعلام والأغاني والرؤوس الخارجة من نوافذ السيارات والأصابع المرفوعة بشكل اشارة النصر. كان مهرجانًا حقيقيًا. مهرجانا حقيقيًا في المناطق ذات الأغلبية المسيحية. أصبحت لعبة الباسكيت بول متنفسهم الوحيد، بعد هزيمتهم في الحرب وانسحابهم من الحياة السياسية. بعد نفي وسجن أبرز قادتهم، وسنوات طويلة من حرب استنفذتهم، وصل المسيحيون إلى حالة من الاحباط. تكللت، بمقاطعة الانتخابات النيابية، والهجرة الكثيفة. أصبح فريق الحكمة، بطلاً جديدًا من أبطال المقاومة المسيحية وانجزاته شاهد على زمن ذهبي مضى. ما ساعد في اشعال نجم الحكمة، كان دون شك القمع الاعلامي والميداني الذي مارسته قوات النظام السوري التي كانت موجودة في لبنان. لم يكن باستطاعة المسيحيين خاصة، وسائر اللبنانيين عامة التعبير عن هذا القمع والانتصار عليه سوى باستمداد انتصار نادي الحكمة ذات الادارة المسيحية، على بقية الفرق وجعل هذا الانتصار، انتصارا للعنصر المسحيي اللبناني في هذا الشرق. بهذا الانتصار فقط، الذي بدا كلحاف شاسعًا، بدأ قلب المسحيين يبرد ويحضرهم لخوض حربهم مع قوات النظام في لبنان.

لكن بعيدًا عن هذا كله، كنت أكبر في بلد متأزم، لم أعي تأزمه إلا عندما تسمرنا ثلاثة أيام على التلفيزيون بعد موت الرئيس رفيق الحريري، ننتظر ماذا سيحدث في هذا البلد، ونتساءل عما اذا كانت الحكمة قادرة على انقاذنا الآن. نشعر بالشفقة على أنفسنا ونحن نحمل مهمة انقاذ تاريخنا الجماعي من خلال فريق باسكت. وعندئذ فقط، انتبهت أنني كنت أفكر بصيغة الجمع وقد آن الآوان للتفكير بصيغة المفرد.

ومن هنا، أؤكد أنني لا زلت أكره لحم البقر يا هاني ولا أستطيع غير ذلك.

لقراءة النصوص الأخرى حول الحقبة الضائعة:

الجزء الأول، الحقبة الضائعة: صيف 1994

الجزء الثاني، الحقبة الضائعة: اللاانتماء

الجزء الثالث، الحقبة الضائعة: اكتشاف

الجزء الرابع، الحقبة الضائعة: رحلة الموسيقى

الجزء الخامس، الحقبة الضائعة: اكتشاف البحر

 

لمتابعتنا على تويتر:

سهى

هاني

 

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “الحقبة الضائعة: الفوتبول، كرة السلة والاحتلال السوري”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s