جحيم بيروت: بين الثقل والخفّة


بعدستي - by Hanibaael
بعدستي – by Hanibaael

لو كان غريب كامو هنا، في صيف بيروت، لما تورّع عن تكرار فعلته. لكان سيقتل ضحيته بدم بارد، وبشرة متعرّقة ودبقة.

التوتّر ظاهر على وجوهنا جميعاً. نبحث عن الظل كي لا نصبح غرباء. المفارقة في بيروت، أنّ الظلال تجعل منّا كائنات مألوفة، خفيفة ومستقرّة الوعي.

***

في أزقة الضاحية الشمالية لبيروت، بعض الأشجار وشرفات البنايات تظلل الممرات، ما يجعل الحياة أسهل. أما الجسر الطويل الذي تجري تحته حياة قعر الهامش فهو أسطورة الظل.

هناك، يُخلق الظل من العدم، ويمتد ليخفي حكايا الوجوه المتعبة والمزيّنة بالعرق المديني.

***

لا أحد يحتمل هذا الجحيم.

الآن، بعيداً عن المدينة وضواحيها، في ظل النجوم والهواء البارد، أكتشف خيطاً آخراً يربط ما بين جحيم الصيف والجحيم الذي يكبر في داخل كل منّا. هذا الخيط يدلّنا عليه الكبير كونديرا الذي ارسى لعبة الخفّة والثقل:

عندما يبدأ الجحيم الداخلي بالتوسّع في ارواحنا واعصابنا، يكون الثقل قد استحوذ على كلّ ما فينا. نصبح كائنات ثقيلة غير قادرة على الحراك. عندها، نبدأ بالبحث عن الخفّة في العالم الخارجي، وهذا يتمظهر في حياتنا اليوميّة، سلوكياتنا، علاقاتنا، مغامراتنا، واسترخائنا.

الوقت يصبح معبرنا إلى الخفّة. هو صلة الوصل ما بين جحيمنا وخفّتنا.

في الصيف البيروتي الرطب، يصبح كل شيء كثيف: الشوارع، الهواء، السماء، الأصوات والروائح. نتنشق الكثافة التي تدخل إلى رئتينا وتسكننا، كما أنّ الحرارة العالية تجعل من العالم الخارجي مجرّد جحيم آخر مترامي الزمن.

في هذا الجحيم، نبحث عن الظل، مساحاتنا الخاصة، وهروبنا من أن نتلاشى في فضاء العبث. عندما يستحوذ الجحيم على داخلنا والعالم الخارجي، نتحوّل إلى كائنات ثقيلة، منهكة القوى، بليدة الذهن، شاردة بلا أفق. من هنا يأتي بحثنا عن الظل الذي من خلاله نجد خفّتنا.

هي رحلة البحث عن التوازن ما بين الخفّة والثقل، لنعيش بسلام وتناغم.

***

الخفّة ما بين البحر والجبل

بيروت، كأي مدينة اخرى منخرطة في السيستيم الحضاري البائس، هي مدينة الثقل والكحول. كل شي في بيروت يمنحني الثقل: الناس، الشوارع، الأرصفة، المديتراني، الجسور، الحانات والأبنية المتعالية. ليس بالضرورة أن يكون الثقل مصدر للازعاج. فالثقل هو أيضاً مختبر التجربة، الخيبة، المتعة والآثام.

هو ثقل التجربة، غذاء الروح.

هو ثقل الخيبة التي تنير طريقنا.

هو ثقل المتعة التي تشبع شهواتنا الجميلة.

هو ثقل آثامنا التي تجعلنا أحياء وتفرّقنا عن الذين يطلبون من الإله أن لا يدخلهم في التجربة.

هو الثقل الذي كلما تقدمنا في العمر، كلّما ارتسم على ملامحنا التي تزداد قسوة سنة بعد سنة.

هو الثقل الذي لولاه لكنّا مجرّد كائنات هائمة، هزيلة وركيكة في هذا العالم الآيل إلى السقوط.

هو الثقل الذي يحدد رؤيتنا وعلاقتنا مع كل ما يحيط بنا.

هو الثقل الذي يربط وجودنا بثقل الزمن، من ماضٍ، حاضر ومستقبل. هو ذلك الخيط الخفي الذي فيه مع كل نفس نتنشقه.

 

ولكن الكثير من الثقل يعني تعب للروح. هكذا، كنت اجد خفّتي، توازني، في منزل العائلة إذ انتقلت للعيش في قرية جبليّة نائية. هناك، في الجبل، بعيداً عن أعين المجتمع، وجدت مساحتي.

هنا، الروح بحاجة إلى ذلك الامتداد الأزرق والمتألق بالنجوم عند المساء.

خفّة النجوم ترسم ضوءً خفيفاً تتسلقه الروح لتعانق الجبل والغابة.

خفّة الغابة يتسلل إليها الذهن بانسياب ليصبح امتداداً للاشجار والأعشاب المستريحة.

خفة الملل الجميل، إذ أن للملل هنا عالم آخر، يسري بظله على الجسد، ويقوده إلى غفوات تخلصه من التعب.

 

بين البحر والجبل، الاختلاظ والعزلة، المرح والملل، الثقل والخفّة، اشعر بأنّي أصبحت أكثر بعداً عن بيروت التي غادرتها منذ ثلاث سنوات، وأصبحت أكثر التصاقاً بالجبل والبريّة.

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “جحيم بيروت: بين الثقل والخفّة”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s