لائحة الكائنات التي لا تريد الالتقاء بها


 

Source: 500px.com by Amir Bajrić
Source: 500px.com by Amir Bajrić

في فطرتنا الحيوانيّة، نحن كائنات اجتماعيّة. لكل منّا دوائره الإجتماعيّة الضيّقة والواسعة. في طفولتنا، نملك فقط دائرة اجتماعيّة واحدة. نُعامل جميع من حولنا بالتساوي. وكلّما كبرنا في السن، يبدأ تصنيفنا للناس المحيطين بنا، وبذلك تبدأ تلك الدوائر بالتشكّل. في هذا النص، سأتناول الناس الذين عادة ما يكونوا في الدائرة الواسعة من حياتنا الاجتماعيّة، والذين نُحاول تفادي الالتقاء بهم:

“خلينا نشوفك”: الأصدقاء الذين نلتقيهم بالصدفة، وكلّما التقينا نقول ذات العبارة “خلينا نعمل قعدة قريباً”. هؤلاء نكون قد تعرفنا عليهم في ظروف معيّنة، والظروف وحدها تجمعنا بهم، وعندما انتهت هذه الظروف لم يعد من داع لنلتقي. ولكن الجانب الاجتماعي فينا يمنعنا من قطع التواصل مع هؤلاء نهائيّاً، وتقتصر العلاقة معهم على الصدفة والإيحاء بأنّنا سنلتقي قريباً. ولكن لن نلتقي أبداً عن سابق إصرار.

“خلينا نحكي قريباً”: عادة ما تتصل ببعض الاصدقاء، لتطمئن عليهم. خلال الاتصال، تقولون لبعضكم: هيا نلتقي في الأسبوع المقبل. تحددون موعداً دقيقاً: في هذه الحانة، عند الساعة الثامنة.
“هل من داعٍ للاتصال لاحقاً من اجل تأكيد الموعد؟”. “لا داع لذلك” تقول انت او هو. ولكن ما يحصل هو أنّ يوم اللقاء سيمر، ولن تلتقيا. ولن يتذكر أحد. لذا لا داع للخروج بعذر لعدم اللقاء. فهو اتفاق ضمني بانّ الاثنان منشغلين.
هؤلاء الاصدقاء عادة ما تلتقيهم كل ثلاثة أشهر. تحتسون الجعة. تتبادلون الاحاديث عن ما كان يجمعكم، وما تبقى من ما يجمعكم “كرهكم لبعض الاشخاص الاخرين”، او” نظرتكم المتشائمة للمستقبل”..أو رأيكم السوداوي بكل ما يحيط بكم. الجلسة جميلة مع هؤلاء كون التوقعات الإجتماعيّة تجاه بعضكم البعض غير موجودة، وهي محصورة في هذا اللقاء الذي يحدث في فترات متباعدة.

أقارب أو اصدقاء صديقك: هؤلاء عادة ما تلتقيهم في المناسبات العامة: عشاء، جلسة قهوة، تخييم على البحر.. هؤلاء لا يجمعك بهم شيء سوى أنّهم مقرّبون من صديقك. وهذا ليس سبباً كافياً لتكون صديقاً لهم، او حتى لفتح حديث معهم. المحادثة مع هؤلاء عامة جداً، وغير مهمّة، وهي مناسبة لتضييع الوقت.
هؤلاء عندما تلتقيهم بالصدفة، دون أن يكون صديقك معك أو معهم، ستكون متعثراً في الحديث، إذ لن يخطر على بالك اي شيء سوى أن تسألهم الأسئلة البديهيّة التي يجاوب عليها الجميع بذات الطريقة: “تمام. ماشي الحال. رواق..”
معارف المناسبات العامة: هؤلاء اشخاص تعرّفت عليهم في مناسبة ما، او عملت معهم لفترة ما، ولكن لا يجمعك بهم شيء. فأنت لا تعرف عنهم شيء وهم لا يعرفون عنك شيء. تحاول تفادي لقاء هؤلاء والحديث إليهم عندما تشاهدهم في الصدفة في الشارع، أو في المتجر. تُحاول ان تتصرّف وكأنّك لم تلحظهم وهذا ما يزيل عنك عبء الحديث معهم. الحالة المثاليّة هو أن يكونوا أمامك وظهرهم لك ما يعني عدم ملاحظتهم لك. وهذا يُريح ضميرك الاجتماعي أيضاً.

الجار: أنا من هؤلاء الذين يُحاولون تفادي الالتقاء بجارهم (وليس الجارة) في بهو الطابق أو عند انتظار المصعد. كل ما اتمناه عند الصباح هو أن لا يكون جاري ينتظر المصعد فاضطر للحديث معه أو سماعه. لا شيء يجمعني مع جاري سوى أنّه يُحب نجوى كرم، وأنا لا أطيق صوتها. أثناء خروجي من منزلي، وعندما اسمع خطواته في بهو الطابق، انتظر لدقيقة أو دقيقتين قبل خروجي. خصوصاً وأنّ المحادثة ستشبه محادثة ثاني لقاء لنا. اللقاء الأوّل كان منذ ثلاث سنوات عن “كم سنة صرلك هون؟ شو بتشتغل؟”. في اللقاء الثاني: “كيف الشغل؟ عم تنزل ع بيروت؟”.

طبعاً، لا احاول تفادي التقاء الجارة، وتبادل اطراف الحديث الخفيف.

الأشخاص الذين لم تلتقيهم منذ زمن بعيد: هذه الحالة تحدث مع الذين يُسافرون/ يُهاجرون للعمل في الخارج. أثناء زيارتك لبيروت، ستلتقي بالصدفة بأحد الأشخاص الذين لم تلتقيهم منذ سنوات طويلة، حتى قبل مغادرتك البلاد. سيسألونك “كيف الاحوال؟ والشغل؟”. عندها ستتامل كثيراً قبل الإجابة على هذه الاسئلة. فهُم لا يعرفون حتّى انّك غادرت البلاد. ولا يعرفون عنك شيئاً، ولا حتّى أنّ حياتك انقلبت رأساً على عقب في السنوات الخمس الأخيرة. ومجرّد الإشارة إلى أنّك غادرت البلاد، هذا سيمد المحادثة إلى خمسة دقائق اخرى، وانت لا تُريد ذلك. فتجيب “كل شي تمام”. وتمضي بعدها بسلام نحو جهّتك المنشودة.

ضيوف الأهل: عندما أزور عائلتي في بيروت، عادة ما أجد نفسي مضطراً للحديث إلى ضيوف يزورون العائلة. هؤلاء الناس المحبّون بطبيعتهم، وقد تكون هذه إحدى مشاكلهم، يبدأون بسؤالك اسئلة بديهيّة حول حياتك وعملك وما إذا كنت مرتاحاً، على اعتبار أنّ هناك من هو مرتاح على هذا الكوكب. وبعد خمسة دقائق، ومن دون مقدمات يسالونك “متى ستشد الهمّة؟”، خصوصاً “الطنطات”. في السابق، لم اكن افهم السؤال واجب بـ”هلأ مسترخي”. فيشرحون بعدها بأنّهم يقصدون “متى اريد الزواج”. لاحقاً، أصبحت اجاوب على هذا السؤال بأجوبة محرجة اجتماعياً.
قد يكون من حسنات سن الرشد هو أنّ اهلك لن يقولوا لك بعد اليوم “تعى بابا سلّم ع عمّو”، أو “ماما قرّب بوس الطنط”. ولكن اهلك سيدفعوك للتسليم على زوّارهم أو اخذك إلى مناسبات اجتماعيّة بين الحين والآخر، وكأنّهم يقولون “هذا الشخص من انتاجنا، وقد عملنا عليه لمدّة ثمانية عشر عاماً، وها هو ما عليه اليوم.”

***

طبعاً، هذه اللائحة لا تضم كل هؤلاء الذين نتفادى لقائهم، فهذه اللائحة طويلة، ولكن هذه العيّنة تضم أغلبهم. ومن الجميل أن تنتمي أنت إلى لائحة الذين يتم تفادي لقائهم، فهذا يعني مساحة أكبر لك كي تستمتع بوقتك مع ذاتك ومع الذين تريد لقائهم، ويُريدون تمضية الوقت معك.

***

كما يُمكنكم نصوص ذات صلة على الروابط التالية:

لاائحة الكائنات المزعجة!

لائحة الأشياء الجميلة

 

متابعة الكاتب على تويتر:

@Hanibaael

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s