ماذا يجري في قسم حليب الأطفال؟


ماذا يحدث هناك؟
ماذا يحدث هناك؟

ماذا يجري في قسم الحفاضات وحليب الأطفال في المول والمتاجر الكبرى؟

إن كنت اب أو أم، أم مجرّد كائن لم يُسجن بعد في القفص الذهبي، فأنت على الأقل مررت ولو لمرّة واحدة أثناء تسوقك لحاجيّاتك المنزليّة في قسم الحفاضات وحليب الأطفال في المول. رغم محاولاتي تفادي الذهاب إلى “المول”، كونه مكان مكتظ ومليء بالضجّة، فإنّي أجد نفسي أذهب إلى هناك مرّة واحدة خلال الشهر. طبعاً، كوني أضيع دائماً في الممرات الطويلة والمتداخلة للمول، فأمرّ عن طريق الخطأ في ذلك القسم.

هناك، العشرات من العائلات مع أبنائهم الصغار الذين لا يتجاوز عمرهم الأربعة سنوات، يقفون أمام رفوف الحليب يُحدّقون في الفراغ من أجل شراء العبوة المناسبة لعمر طفلهم. وكوني من الذين يُراقبون ما حولهم لأجد موضوعاً أكتبه أو قصة اسردها، بدأت بمراقبة هؤلاء الناس لفترة امتدت حوالي سنتين. لذا، هذا النص لا يهدف إلى تصنيف أحد، بل هو مجرّد ملاحظات هامشيّة.

دوّامة لا تنتهي: خلال تلك السنتين، لم أجد سوى البؤس والشقاء على ملامح الامهات والآباء، أمّا الأبناء فهُم في عالم آخر، مأخوذون بالشاشات المضيئة التي تلمع بين أيديهم. الآباء يجرّون العربة بذهن شارد، وعقول غائبة في دوّامات حياتهم التي يبدو أنّها لن تنتهي قريباً. بينما الأمّهات فتفاصيل وجوههنّ لا توحي بأنّهنّ سعيدات كما يُخبرنا أصحاب نظريّة أنّ الأطفال يجلبون السعادة للرجل والمرأة. وجدت في هؤلاء، آباء وامهات، مجرّد ناس تعبوا من كل هذا البؤس الذي غرقوا فيه نتيجة كل شيء.

هُم في المحصّلة أصبحوا سجناء فعلتهم، والأسوأ من ذلك، لا مخرج سهل لهُم. من ناحية، تكاليف الحياة الباهظة جعلت، الأم والأب، يعملون تسعة ساعات على الأقل في اليوم الواحد، ومع ارتفاع اقساط المدرسة، وإيجارات السكن، والتنقل، أصبحوا يعيشون في دوّامة مغلقة من الركض المتواصل.

لا عودة إلى الوراء: فجأة، يجد الأهل انفسهم أمام التزام سيطول نحو 18 سنة على الأقل. في هذه الأثناء، تتغيّر حياتهم، وتصبح القيود فيها كثيرة، إن كان على صعيد تغيير مكان السكن والعمل، أو حتى السفر (إن كانت تستطيع العائلة تحمّل تكاليفها)، وما كان متاحاً لهُم قبل إنجاب الطفل، سيُصبح مجرّد حلم بعيد بعدها. وهذا ما يزيد من تعاسة وشقاء الآباء والامهات.   المشكلة هي انهم لم يعد بامكانهم العودة إلى الوراء. جائوا بالكائن الصغير إلى هذا الكوكب..ولا يمكنهم العودة عن ذلك القرار، لذا لن نسمع احد من الاهالي يوماً يندم على انجاب اطفالهم، أو يُخبرنا عن أنّه كان من الأفضل أن لا يقوم بهذه الخطوة، وبانّه يُفضّل لو أنّه عاش دون عائلة أو أطفال. وأغلب الأحيان، نسمع الآباء والامهات يقولون بأنّ الإنجاب هو عمل جيّد ورائع للإنسان، ولأنّهم “اكلوها”، سيحاولون اقناع الذين لم يقدموا بعد على هذه الخطوة بانجاب الاطفال.

عادة يلجأ أصحاب نظريّة “السعادة بانجاب الأطفال” إلى القول “لن تعرف شعور انجاب الطفل، حتى يصبح لديك طفل”، وهذا القول ينطبق تقريباً على كل شيء آخر لا نملكه “لن تعرف شعور امتلاك قطة اليفة، حتى تمتلك واحدة”، و”لن تعرف شعور امتلاك منزلك الخاص، حتى تمتلك واحداً”، ويُمكن أن نضيف أيضاً “لن تعرف شعور الشقاء الطويل حتى يُصبح لديك طفلاً”.

الاكتئاب والعزلة: ومن ناحية اخرى، رغم أنّ العائلة تعني في بُعدها الإجتماعي- الإنساني التكامل والتداخل مع الشريك، فإنّ ملامح الوحدة تبدو على وجوههم. الجميع غارق في وحدته، أما الرواية الإجتماعيّة التي تدّعي بأنّه على الإنسان أن يؤسس عائلة كي لا يغرق في الوحدة والاكتئاب عندما يتقدّم بالسن فهي ليست سوى فخ كبير نرسمه لانفسنا، ونقع فيه، إذ تُشير العديد من الدراسات الإجتماعيّة والنفسيّة إلى أنّ مشاعر الوحدة، العزلة والاكتئاب تبدأ بالتسلل إلى الازواج بعد فترة وجيزة من “شهر العسل”، وهذه المشاعر تتوسّع كلّما تقلّص التواصل بين الشريكين، وزاد تباعدهما النفسي عن بعضهما البعض. فيما خصّ الوحدة التي اتحدّث عنها قد تكون هذه المقولة للكاتبان دينيس وبربارا رايني، في مقالهما المشترك “متزوج ووحيد؟”، الأكثر تعبيراً عن هذه الفكرة:

“عندما يُصاب الزواج بالعزلة، يقوم الزوج والزوجة باستبعاد بعضهما البعض. وعندما تكون مستبعد، فأنت ستشعر بالمسافة، الإفتقار إلى الألفة الحقيقيّة. يمكنكم مشاركة السرير، تناول الطعام على المائدة ذاتها، مشاهدة البرامج التلفزيونيّة ذاتها، تقاسم الحسابات المصرفيّة، وحتّى تربية الأطفال ذاتهم.. ورغم ذلك تبقون وحيدين. قد تمارسوا الجنس، ولكن لا يكون لديكم الحب. قد تتحدثون، ولكنكم لا تتواصلوا. وقد تعيشون معاً، ولكنّكم لن تتشاركوا الحياة.”

 

طبعاً ليس جميع الأزواج يُعانون من هذه الوحدة والعزلة، كون قلّة تستطيع أن تتخطى تلك المصاعب، ولكن الواقع يُشير إلى أنّ أغلب الأزواج، حتى الذين يبدون أمام المجتمع، بانّ لديهم زواجاً سعيداً، فهُم ليسوا بالضرورة سعداء، وما يجري خلف جدران غرف النوم، يُمكن أن نلحظه على الوجوه في قسم الحفاضات وحليب الأطفال في المتاجر الكبرى.

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “ماذا يجري في قسم حليب الأطفال؟”

  1. كل مابقول لصحابي اني ماافكر اجيب اطفال مستقبلا لانهم مسؤولية وتعب
    يقولوا لاتقولي كدا وتفاولي على نفسك وحتندمي عالكلام الي تقوليه!😦
    أوافق على الكلام المكتوب ١٠٠٪

    أعجبني

    1. بالنهاية يا Dode، المجتمع رح يضلو حامل الرواية الجماعية حول الاطفال ومفهوم العائلة، لانو هيدي المفاهيم هي جزء اساسي من تكوينو.

      اهم شي الصمود😀

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s