Selfie: روح العصر



لماذا تجسّد الـ Selfie عزلتنا ووحدتنا؟

لم ينتبه الشاب جارد مايكل بأنّه يقف على خط القطار السريع عندما وقف ليلتقط “سِلفي” (Selfie). لا نعرف ما إذا كان سيء أم سعيد الحظ. من ناحية، مرّ القطار في اللحظة التي أراد بها التقاط صورته بنفسه وهي لا تحتاج لأكثر من ثوانٍ معدودة، ومن ناحية ثانية، استطاع سائق القطار بإبعاده عن السكّة عبر ركله على رأسه. هكذا نجى جارد من موته المشؤوم، ليكون بمقدوره التقاط “سِلفي” اخرى ليشاركها مع أصدقائه وأحبائه.

لهذه الدرجة أخذت “السِلفي” من انتباهنا، ولكن من أين جاءت هذه الظاهرة البصريّة التي أنخرط فيها الجميع دون استثناء، من الناس العاديين إلى المشاهير مروراً برجال الدين والسلطة. أغلب الذين نعرفهم قاموا على الأقل لمرّة واحدة بالتقاط “سِلفي”، فهي حسب تعريفها “التقاط صورة ذاتيّة، عبر هاتف ذكي (أم كاميرا الكمبيوتر)، ومشاركتها على وسائل الإعلام الإجتماعي.

السِلفي (Selfie)، كأحد الأمراض الحديثة، قد تكون أكثر معبّر عن روح العصر الذي نعيش فيه. هي الرمز البصري الذي يختصر العقد الأخير ونسبيّاً المرحلة الجديدة التي نحن، كأفراد، قادمون عليها. هذه بعض عناصر هذا المشهد:

الفردانيّة: تقوم السِلفي، أو الشخصورة كما يعرّبها البعض من الكتّاب، على فكرة أنّ الفرد يقوم بالتقاط صورته بذاته، دون مساعدة الآخرين. أصبح بإمكان الفرد أن يكون موجود فوتوغرافيّاً دون تدخّل الآخرين او مساعدتهم. وهذا الالتقاط الفردي للصورة يُماثل التقاط الفرص المهنيّة والتجاريّة التي تقوم عليها فكرة الرأسماليّة.

الوحدة والعزلة: السيستيم الذي نعيش في ظلّه قائم على قيم الإستغلال إقتصاديّاً والإنفصال روحيّاً. تعقّدت حياتنا إلى أن اصبحنا مجرّد كائنات باردة، تعيش عزلتها في وحدات سكنيّة منفصلة. تلحق لقمة العيش في المنجم، المعمل، الشارع والمكتب كي لا تموت في العراء. هموم الحياة وهواجسها أصبحت كبيرة لدرجة أصبح فيها الجميع منفصلون حتى الذين يعيشون في العائلات الكبيرة. هكذا أصبح كل واحد غارق في جحيمه الخاص، يُنازع من أجل العيش في ظل ظروف حياة كريمة. كما أنّ الفردانيّة بوجهها السلبي، أججت هذا النزاع، وزادت من وحدتنا وعزلتنا.

وهم التواصل: برزت وسائل الإعلام الإجتماعي في العقد الأخير وكأنّها مخرج لهذا المأزق. فهي جاءت لتعزز التواصل فيما بيننا. بينما في الواقع، أخذت التواصل إلى مستويات متدنيّة، وزادت من وحدتنا وعزلتنا. يُشير الكاتب طوني صغبيني في دراسة نشرها على مدوّنته حول تأثير الشبكات الإجتماعيّة على العلاقات الإنسانيّة، بعنوان “العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة” بأنّها علاقة عكسيّة: كلّما زاد الإعتماد على الشبكات الإجتماعيّة كلما خطت العلاقات الحميمة خطوة إلى الوراء”. وفي المحصّلة كلما زاد تواصلنا الالكتروني، كلّما زدنا في وحدتنا التي أصبح لها أشكال مختلفة.

الإتّصال بالشاشة: في ذات السياق، يدّعي التيار المشجع للتكنولوجيا بأنّ “استخدام الهواتف الذكيّة سيجعلك أكثر اتصالاً بالعالم حولك”. هذه العبارة يقولها لي الكثيرون عندما يُحاولون إقناعي بالاستغناء عن هاتفي القديم و”لدخول عصر التكنولوجيا” كما يدّعي هؤلاء. ولكن هل تجعلنا الهواتف الذكيّة فعلاً أكثر اتصالاً؟

تشير دراسات أعدّها أطباء وأخصائيون نفسيون بأنّ استخدام الهواتف الذكيّة لفترات طويلة قد يؤدّي إلى الإدمان، فقدان التركيز، القلق، الأرق وحتى الاكتئاب. كما أنّ التحديق الدائم بالشاشات يُبعدنا باستمرار عن الناس، ويمنحنا منفذ سلبي بحيث لم نعد بحاجة إلى التفاعل مع العالم أو مواجهة مشاكلنا”، على حد تعبير الدكتور مايكل دوو، عضو جمعية علم النفس في كاليفورنيا. يُكمل دوو في وصفه ارتباطنا بالشاشة قائلاً “هذا التحديق يُمكن أنّ يؤدّي أيضاً إلى رفع إفراز المزيد من الكورتيزون في الدماغ والجسم، وهذا ما يؤدّي إلى التأثير السلبي على الصحة الجسديّة وليس فقط على الصحّة النفسيّة والعلاقات”.

الآلة كامتداد للجسد: كثيرة هي الطروحات الحداثويّة التي تنظر إلى مستقبل الإنسان المرتبط بالآلة بشكل عضوي. طبعاً، نحن دخلنا عصر دمج الإنسان بالآلة منذ فترات طويلة، ولكن هذا الدمج حصل على الصعيد الجماعي، أما على الصعيد الفردي، فنحن بدأنا ندخل هذا العصر، ولو من نافذة صغيرة، من خلال الهواتف الذكيّة وتالياً السِلفي، وفي المدى المنظور بـ”نظارات غوغل” (Google Glass). في السابق، كان تخيّل أي إنسان يقف ويلتقط صورته بنفسه يعتبر أمراً مستغرباً، ولكنّ اليوم أصبح من الأمور الطبيعيّة، وكذلك الأمر بالنسبة لنظارات غوغل، اليوم يبدون غريبين الذين يقومون بارتدائها، ولكن عندما تصبح متوفرة في الأسواق، سيُصبح الغريب هو من لا يرتدي تلك النظارات. هكذا، يقضي العالم وقته ما بين شاشة على العين، واخرى في اليد.

الهويّة الالكترونيّة: السِلفي تأتي لتكمل الهويّة الالكترونية التي يرسمها الفرد لذاته. يختار الفرد الزاوية التي يظهر بها أكثر جمالاً وجاذبيّة ويلتقط صورته. يتحكم الفرد بالهويّة التي يرسمها لذاته على الشبكات الإجتماعيّة وهي تتحدد بعناصر مختلفة مثل نوعيّة النشاطات التي يقوم فيها، طبيعة الأماكن التي يرتادها من خلال تسجيل الدخول على موقع Foursquare، والصور والروابط التي يقوم بمشاركتها.

مساحة للاعتراض: رغم أنّ السياق العام الذي ظهرت فيه السِلفي هو سياق سلبي، إلاّ أنّ السِلفي يُمكن أن تكون أيضاً مساحة اعتراض في المناطق الخاضعة لأنظمة قمعيّة، كما في العالم العربي، على حد تعبير الصحافيّة والكاتبة ديانا مقلّد في مقالها “ما المشكلة في الـ Selfie؟” حيث أشارت إلى استخدام السِلفي في حملات الكترونيّة مناهضة للعنصريّة أو للدفاع عن حقوق المرأة، فالسِلفي في هذه الحالة هي “استعاضة عن الصراخ في الشراع بصراخ آخر عبر صور ذاتية لأفراد قرروا إشهار موقف ما عبر عبارات وشعارات تقترن بتلك الصور،فبات لدينا صفحات هائلة من المتظاهرين لكن بقالب فردي”، على حد تعبير مقلّد.

قد يعتبر البعض أنّ الشخصورة (Selfie) تجسّد الاستقلاليّة التي يتمتّع بها الفرد، ولكنّ المشهد العام الذي تعيشه الإنسانيّة من عزلة ووحدة وأمراض نفسيّة، فهي أقرب إلى تجسيد الأزمات الإنسانيّة البنيويّة من أنّ تجسّد استقلاليّة الفرد.

السِلفي: اضطراب عقلي أم مجرّد نرجسيّة

انتشر موخراً في خبر حول تصنيف “التقاط السِلفي” كاضطراب عقلي من قبل الرابطة الأميركية للطب النفسي، وقد سمّي  “Selfitis”، وحسب التعريف يقوم هذا المرض على الرغبة القهرية بالتقاط الصور الذاتية ونشرها على وسائل الإعلام الاجتماعية كوسيلة تعويض عن عدم وجود الثقة بالنفس، ولسد الفجوة في العلاقة الحميمة. ورغم أنّ الخبر انتشر ليس فقط على المواقع الإخباريّة وفي الصحف، وعلى المواقع التي تهتم بالصحة، فقد تبيّن بأنّ الخبر هو مجرّد نكتة أو خدعة. وفي كل الأحوال، بدأت العديد من الدراسات تقوم بربط التقاط  السِلفي بالنرجسيّة  لدى الأفراد، وهذه مسألة اخرى.

السِلفي بالأرقام

منذ عام 2012، زاد استخدام كلمة Selfie حوالي 17000%.

حسب دراسة بريطانيّة اجريت صيف 2013، على 2005 شخص في المملكة المتحدة:

51% من البريطانيين التقطوا سِلفي.
75% من الأشخاص ما بين 18 و24 سنة التقطوا على الأقل سِلفي واحدة.
29% من الأشخاص الذين يتجاوز أعمارهم 65 سنة التقطوا على الأقل سِلفي واحدة.

أما مشاركة السِلفي على مواقع الإعلام الإجتماعي فهي كالتالي:

48% على موقع الفايسبوك
21% على تطبيق واتساب والرسائل القصيرة
أما الباقي فيتوزع على مواقع تويتر وانستغرام والمواقع الاجتماعيّة الاخرى.

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

12 thoughts on “Selfie: روح العصر”

  1. حقيقة ظاهرة السِلفي أصبحث ثقافة جامحه لدى البعض
    حيث يرى من الائق تصوير نفسه ،وبعضهم يرى أنها أثبات للثقة بالنفس
    وأرى في مواطن أخرى نظرية النرجسية بارزة جدًا!!
    مقال جدًا رائع ،بورك الطرح.

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s