الحقبة الضائعة: رحلة الموسيقى


هاني

هي مرحلة الاكتشافات المتتالية. لم أعد أذكر كيف اكتشفت الشيخ إمام، ودخل إلى حياتي ليرسم بعض من ملامح شخصيّتي. ترافق تعرّفي على إمام مع بدء انخراطي بالمظاهرات النقابيّة التي كان يُشارك بها الطلاب من مدرستي. كنّا بضعة طلاب، “نهرب” من المدرسة بالتخفّي حيناً، وتحت أعين المدير أحياناً، الذي كان ينزعج كثيراً من مشاركتنا في المظاهرات.

أكثر ما كان قادراً عليه هو أن يطردنا من المدرسة، ويستدعي أهالينا ليشتكي لهم عن سلوكنا غير المنضبط. أذكر أنّه في إحدى المرّات، استدعى والدي وأخبره عن مشاركتي في المظاهرات. ردّ عليه والدي بأنّ الدستور يكفل الحق لكل مواطن بالتظاهر والتعبير عن الرأي. بعد ذلك الحين، استسلم المدير، وتوقّف عن استدعاء والدي، وأصبح يطردني من المدرسة لمدّة ثلاث أيام كلما ذهبت إلى مظاهرة نقابيّة.

بعدما تعرّفت أكثر على أغاني الشيخ إمام أردت شراء كامل أعماله الموسيقيّة. ذهبت إلى إحدى عربات الكاسيتات التي كانت منتشرة حينها تحت جسر الكولا، وكان يمتلكها عمّال سوريون أغلبهم قادمون من قرى نائية. “عندك الشيخ إمام؟”، سألت البائع. أجاب “الشيخ إمام ما عندي. بس عندي الشيخ عبد الباسط عبد الصمد”. ولمن لا يعرف الشيخ عبد الباسط فهو من أبرز مجوّدي القرآن في العصر الحديث. هكذا، لم استطع أن امتلك المجموعة الكاملة للشيخ إمام إلاّ بعد ظهور “السي دي” (الأقراص المدمجمة) حيث حصلت عليها من صديقي في صف البكالوريا.

وفي الآن عينه، تعرّفت على الموسيقى الغربيّة السائدة حينها. في تلك الأيّام، كانت محلات تسجيل الكاسيتات موجودة بكثرة في بيروت. وكان الكثيرون يقومون بوضع لائحة بأغانيهم المفضّلة ويسجلوها على كاسيت منفرد. بهذه الطريقة يوفّرون الوقت والمساحة. حينها،قمت بتسجيل الأغاني المفضّلة لديّ على كاسيت خاص. أذكر من بين هذه الأغاني “Coco Jambo” و”it’s my life” اللتين كانتا منتشرتين بشكل واسع بين أبناء جيلي.

كنت أحتفظ بهذا الكاسيت معي أينما ذهبت، إن كان في “مشاوير” الجبل، أو عند الذهاب إلى حفلات عيد الميلاد التي كان يعدّها رفيقي في الدراسة. فهو أصبح خلفيّتي السمعيّة في كل مكان.

اليوم، يبدو أنّ كل ذلك حدث في زمنٍ بعيد.

مضى 15 عاماً على تلك الاكتشافات. تغيّرت كثيراً. كرهت الموسيقى السائدة بشكل عميق. نفرت من النظام المدرسي. وأحببت الشيخ إمام أكثر.

“البحر بيضحك ليه؟” يا سهى!

سهى

من المعروف أنك عندما تبدأ بسماع الروك، يصعب عليك سماع شيء آخر. لا سيما، البوب المنتذل على الراديو. كما هو معروف أن ثورة صغيرة ستتشكل في دماغك الصغير هذا. ستفيق من سباتك هذا وتعتمد الأسود في لباسك. الكونفرس في رجلك والأساور الجلدية السوداء في معصمك. ولن تصاحب سوى من ناسب مظهره أو ذوقه الموسيقي ذوقك لأنكما على نفس الموجة الفكرية. اضافة إلى منزلتك الاجتماعية وصيتك المدرسي اللذين لم يعودان يسمحان لك بالتسكع مع جماعة برتني أو وائل. ستعتقد أنك الثورة مجسدة وأن بعدك سيتحول العالم لأنك الاختلاف بعينه. ستعرف بعد هذا كله أن الجميع شعر بهذه القوّة المزيفة يومًا ما في رأسه وانتهى رقمًا بالضمان الاجتماعي. وبينما ستحلم مع أقرانك بالعالم الجديد سيختلف العالم دون ارادتك وعلمك وسيجبرك على الانصياع. فمعطم أصدقائي أو من تعرف عليهم بأخر سنوات دراستي الثانوية عبر صدف بسيطة مثل التعبير عن اعجايهم بحفري  كلمات أغنية Yesterday للبيتلز على طاولة الامتحان في ساعة الاحتجاز، أصبحوا ممن يلبسون ربطات عنق ويبشرون بمنتجات استهلاكية جديدة في شركات فيروسية فطرية. وأنا لست أفضل حالاً. لكن تبقى ببالي معلومة أحب من الجميع الاستفادة منها، تمجيدًا للأيام الخوالي.
اذا ما سألنا جمهور الروك عن أول أغنية انتقالية تسمعها لغير مستمع الروك لتحوله إلى مدمن مثلك ستكون: Don’t you cry – Guns’N Roses.
هذا سؤال فخ. لم هذا الأغنية بالتحديد؟
أولا، لأن كلماتها لائقة، ليست مثل Charlotte The Harlot أو Bring your daughter to the slaughter لفرقة Iron Maiden وحتى أنها رومنسية.
ثانيا، وقعها هادئ نسبيًا ومطمئن وبالغ في المشاعر الأسى (ليس بمستوى هاني شاكر طبعًا)
وثالثًا والأهم، الغيتار فيها يصول ويجول ويخطف سمع المستمع محضرًا إياه إلى ما هو أقوى بشوق.
ومن الغانز، إلى ميتاليكا تتحول المشاعر من حب وتخلي إلى غضب على المجتمع وشفقة على النفس. تتعمد هذه المساعر مع نرفانا مرصعة إياها بعقدة عدم الانتماء وعدم القدرة على التحمل.
 ومن موسيقى التسعينات هذه تبدأ رحلة الروك في صلبها اذا تغوص فيما بعد في الكلاسيك روك مثل Led Zeplin ,The Who, The Rolling Stones,  The Doors & Pink Floyd ومنها إلى البسيكوديليك روك  الستيني وصولا إلى المنبع The Beatles. لكنها هذه قصة آخرى.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s