الحقبة الضائعة: اكتشاف


سهى

قد “يكون صراع الهويات” أهم ميزة لإنسان القرن الحادي والعشرين. بل الميزة المشتركة الوحيدة التي تطبع شعوب العالم اليوم. هذا الاحساس بالانتماء إلى أكثر من فكرة ومجتمع وثقافة. هذه الحرب الداخلية التي قد تبدأ بذائقة مختلفة عن الرائج في مجتمعك لتتحول بعد فترة إلى عقيدة متكاملة من الاختلاف والاندماج بدرجات متفاوتة مع أقرانك.

ففي ربيع العالم 1994، انتحر كرت كوبين وان كنت وقتها لا أعرفه ولا أعرف موسيقاه وفرقته نيرفانا، فأنني لسوف أتعرف عليها لاحقًا، كحدث طبيعي في مسيرة الاكتشاف الموسيقي التي بدأت عن طريق الصدفة. في هذا الربيع، بدأت هذه  الرحلة، التي لم تنتهي إلى حد الآن.

قبل هذا التاريخ، كانت كاسيتات شانتال غويا، الموسيقى الوحيدة المتواجدة في البيت. ولم تكن الكاسيت سوى عبارة عن عينين ناعستين نائمتين في الدرج تحت التلفزيون.

إلا أن اخترب الراديو. الراديو الذي كانت تبقيه والدتي في المطبخ والذي استمعنا من خلاله إلى نبأ انفجار كنيسة سيدة النجاة بينما كانت الجارة تولول فوق رؤوسنا وتردد “فجّروا الكنيسة. فجّروا الكنيسة!”. ولم تتركنا نسمع أي كنيسة بينما جلست أمي على الكرسي، وأنا بجانبها أقول لها أن أبي ذهب إلى الكنيسة ولم يعد بعد. في النهاية، استوعبنا أن والدي قصد كنيسة أخرى بعد أن توقف الزمن عند أمي حوالي عشر دقائق.

من هنا، أهمية راديو المطبخ. وأهمية تصليحه فور اخترابه.

تحت البناية، اضافة إلى محطة البنزين، ومحل السمانة، كان محل تلفزيونات وراديوات يملكه سمعان. سمعان أصبح نبيا بالنسبة لي فيما بعد.

فبعد أن قام بتصليحه، أعاده إلينا سمعان الراديو وبداخله كاسيت غريب. أخذت اسمتع إليه مرارا. كان يحوي الكثير من الأغاني الغربية الرائجة بوقتها لكنني أتذكر ثلاثة فقط، طبعوا إلى الأبد في ذاكرتي ومع أن ذوقي تبدل ألف مرة إلى حد الآن، إلا أن هذه الأغاني الثلاث ما زالت تجعلني ابتسم عندما اسمعها صدفة.

الأغنية الثانية: Vanilla Ice – Ice Ice baby
الأغنية الثالثة: MC Hammer – U Can’t Touch This
حمل هذا الاكتشاف وما تلاه بعدها من اكتشافات موسيقية خصوصا لموسيقى الروك، العديد من الصداقات والتبدلات وأنتجت فردًا يلاحق موسيقاه باستمرار في كل شيء، في كل شخص.

هاني

ارتبطت الموسيقى لديّ بـ”مشوار” السيّارة، إن كان إلى المدرسة أو إلى الجبل. كان يمتلك والدي مجموعة كبيرة من الكاسيتات التي شكّلت ثروته الموسيقيّة. وقد ضمّت المجموعة حينها إصدارات متنوّعة، منها ما يعود إلى منتصف الستينات، واخرى حديثة صدرت في بداية التسعينات.

أكثر ما علق في ذاكرتي في ذلك الربيع الطويل من عام 1994، هو عدد من الكاسيتات التي شكّلت أولى خطواتي في اكتشاف الموسيقى. عند الصباح، تحتل فيروز المشهد دائماً، ولكنّ بعد الظهر كانت الموسيقى تتغيّر دائماً. لا اعرف إن كان والدي يتقصّد ذلك أم لا، ولكنّي ما أعرفه أنّه عرّفني على زياد الرحباني عبر البوم “أنا مش كافر”، إذ اشترى النسخة الأصليّة للكاسيت عام 1985، أي قبل عام واحد من مولدي.

في شيتاء- صيف 2002، أخذت ذلك الكاسيت من سيّارة والدي عندما بدأت العمل كمُساعد سائق للباص الصغير (Van)، إذ كان صديقي في المدرسة يعمل على خط حي السلم- الدورة، وكنت أقوم بمساعدته، وبما أنّ التنقل مرتبط دائماً بالموسيقى، أصبحنا نضع موسيقى “أنا مش كافر” للركاب. وهذا ما كان يعجبهم. عندما توقفت عن العمل مع صديقي، أهديته الكاسيت كتعبير عن صداقتنا.

إضافة إلى زياد، تعرّفت في “المشاوير” على سمير سرور، الذي يُعرف بـ”عاشق الساكس”، والذي مازلت استمتع بموسيقاه إلى يومنا هذا. موسيقى سرور كانت تأخذني دائماً إلى عوالم أجهلها. اليوم، أستطيع أن أحدد الكثير من ملامح تلك العوالم.

أتعلمين، الآن اكتشف، كم أنّ موسيقى سرور جعلتني أحب آلة الساكسوفون، موسيقيّاً وبصريّاً. استطاعت تلك الموسيقى أن ترسم مسارها بعيداً في دواخلي. وهذا ما يُفسّر إلى حدٍ ما تعلّقي بالجاز الكلاسيكي الذي تُشكّل آلات النفخ عاموده الفقري.

ولم تغب موسيقى “البيتلز” والـ”ABBA” عن المشاوير الطويلة، إذ أنّها كانت المعبر الأوّل إلى الموسيقى الغربيّة، التي اهتميت بها لاحقاً، خصوصاً مع صعود فرقة “Enigma” ومشروع “Era” اللتان كانتا تخاطبان جوانب مظلمة من مخيّلتي.

الموسيقى التي تعرّفت عليها كانت خلطة غريبة، تشبه ازدحام الهويّات في بيروت والجبل، ورغم أنّها ساعدتني على توضيح هويّتي أكثر، فقد أججت “صراع الهويّات”، ولكنّ هذه المرّة ليس مع الذات فقط، بل مع المكان وقاطنيه أيضاً.

اختفت الكاسيتات، وبقيت الموسيقى تسرقني إلى الصراعات التي لا تنتهي.

لقراءة الأجزاء الباقية:

الجزء الأول، الحقبة الضائعة: صيف 1994

الجزء الثاني، الحقبة الضائعة: اللاانتماء

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “الحقبة الضائعة: اكتشاف”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s