الحقبة الضائعة: اللاانتماء


سهى

جدك ترك لك ساعة وراديو بينما لم يترك لي جدي سوى الصدف. صدف يغزو البيت. كان بيته البحري في شكا، الذي حوّله متحفًا، ووقت فراغه، اضافة إلى موهبته عوامل كافية ليصير كاهن للصدف. يعبدها ويبجلها ويحاول مزجها بكل قطعة أثاث. ابتداء من الطاولة حتى المنفضة مرورا بالسرير والتلفون وتعليقة المعاطف كلها ملبسة بالصدف. ولكن هذا لم يشكل  سوى جزءًا بسيطًا من هوسه، أقصد فنه. فحيطان البيت كلها عبارة عن بروتريهات صدفية لأبرز الشخصيات التاريخية، الدينية، الفنية واللبنانية. أتكلم عن حوالي 4000 لوحة مصنوعة  قد تجد مثلاً القديسة رفقا جنب إلى جنب مع نفرتيتي أو رفيق الحريري. هيتلر يجاور عرفات أو شكسبير.

كان بيت جدي كهفًا لأسرار، مغارة علي بابا بالنسبة إلى فتاة صغيرة مثلي. أشبه بسيرك أو متحف، وكنت أحب قضاء الكثير من الوقت هناك ولكنّه كان في الشمال. ولم يكن باستطاعة أبي اجتياز جسر المدفون شمالا إلى بعد التسعين. ما حد من زيارتنا إليه في البدء. كما كانت  تذكرنا أمي كيف كانت تأخذنا لوحدها لزيارتي جدي وجدتي وكيف كان أخي الصغير يزعق طول الطريق ولم يكن ليسكت أمام حاجز الجيش.

بعد التسعين أصبح بامكاننا التنقل. لكن، أبي فضل البقاء في جبيل بسبب العمل والمدرسة ولم نتعرف على الشمال، شكا تحديدًا كما يجب. واذا استثنينا أصدقاء أبي الذي أصبح معظمهم على مشارف الستين ومازال يناديهم بـ”الشباب” ، فأنا لا أعرف أحدًا من هناك. وان كنت أنتمي إلى هذا المكان على الهوية فأنا لا أشعر بالانتماء. وإليكم الآن ثلاثة براهين تنفض عني كل صفة شمالية:

أولاً: أنا آكل الكوسى المحشي بندورة ولحم مع لبن

ثانيًا: أفضل الكنافة بجبنة على الكنافة بقشطة

وثالثا: آكل التبولة بالشوكة وليس بالخبز.

وهذه أدلة دامغة ستجعل مني إلى الأبد غير منتمية.

هاني

الطريق كانت طويلة ما بين بيروت والمتن الأعلى. أجلس في المقعد الخلفي واترقّب الطريق. كنت أحب ذلك. حينها لم يكن لدينا الكثير من الألعاب تسلّينا، لذا “الكزدورة” بالسيارة كانت متعة فائقة. الصيف كان يعني لي الذهاب إلى قرية امّي، والبقاء هناك حتّى يوم العودة إلى المدرسة.

قد يسأل البعض لماذا قرية والدتي حصراً، وليست قرية والدي؟

الإجابة تعود إلى أربعينيّات القرن الماضي. كان والد جدّي يمتلك أرض واسعة في منطقة الشويفات، وكانت تحتوي على بستان ليمون جميل. حينها، كانت المدن هي الموضة الجديدة لأبناء القرى. قرّر أنّ الوجهة هي المدينة. هكذا، باع الأرض والبستان، و”هاجر” إلى بيروت، حيث اشترى قطعة أرض صغيرة مليئة بالرمل والصبّار. بنى على هذه الأرض بيتاً صغيراً. في هذا البيت ولد جدّي، عاش والدي، وتربيت فيه إلى ان غادرته في عام 2007. ولأنّ المدينة استطاعت أن تُذهل عقل الجدّ الأوّل، انقطع التواصل مع الجذور وأصبحنا أبناء مدينة. هكذا أصبحنا بلا قرية من ناحية والدي.

“إجا البيروتي”. هذا ما كان يقوله الأولاد الذين كنت التقيهم في قرية والدتي. هذه السمة الأولى التي كانوا يعرفونني بها. وأحياناً، كانوا يسخرون من لهجتي عبر تقليد لهجة “أبو عبد البيروتي”، خصوصاً وأنّ إنخراط أبناء تلك المنطقة مع بيروت كان مازال محدوداً في فترة ما بعد الحرب. فكل قادم من بيروت هو بالضرورة “أبو العبد” بالنسبة إليهم.

ورغم أنّي ولدت في بيروت، فهذا لا يجعل منّي بيروتيّاً أصيلاً، وكوني لم أعش في الجبل سوى مواسم الصيف، لم أصبح جبليّاً. هكذا بقيت معلّقاً ما بين المدينة والجبل، محاولاً رسم ملامح هويّتي وسط الصراع الخفي ما بين الهويّات المحليّة.

الحقبة الضائعة: صيف 1994

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “الحقبة الضائعة: اللاانتماء”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s