حروب المشرق: الفقراء يخوضون حروب الأغنياء


 

مقاتل من الجيش الحر

“عندما يُعلن الأغنياء الحرب، يموت الفقراء” – جان بول سارتر

الحروب تبتلع المشرق. من بغداد إلى بيروت، يمتد مشهد العبث والموت، دون أن يترك أحد في حال سبيله. هي نار تلتهم الأحياء، إن كانوا بشراً أم أشجاراً. كل من نعرفه فقد على الأقل أحد احبائه، والجميع “شهداء”.

اليوم، يذهب إلى سوريا شباب من لبنان والعراق ليقاتلوا هناك، ويُدافعوا عن “حقيقتهم”. منهُم من يُقاتل من أجل نصرة “الخلافة”، ومنهم من يُدافع عن “السيدة زينب، التي لن تُسبى مرّتين”، وآخرون يُدافعون عن “الامة العربيّة” أو “السوريّة”، وآخرون لا يعرفون بعد عن ماذا يُدافعون تحديداً، ولكنّهم يُقاتلون من أجل غاية في نفس يعقوب.

عندما تدخل إلى صفحات الفايسبوك التابعة لكل مجموعة دينيّة ترسل أبنائها للموت في حروب المشرق الأهليّة يُمكنك أن ترى حقيقة واضحة، وهي أنّ الجميع على “حق”. فالسياق الذي يموت فيه هؤلاء يجعلهم محقّون في “قضيّتهم”. بغض النظر عن ما إذا كنّا نؤيّد تلك القضيّة أم لا، الجميع له سياقه الذي يدفعه ليُقاتل حتى الرمق الأخير. وهذا السياق له أرث ديني، سياق تاريخي، وبيئة اجتماعيّة، وأهم من كل ذلك هو أنّ هذا السياق ينطلق من “اسطورة” قديمة تحملها المجموعة في وجدانها ووعيها الجماعي والفردي.

تشييع أحد مقاتلي حزب الله الذين قتلوا في سوريا

في هذه الحرب، تتصارع الأساطير التي لا يُمكنها أن تتعايش مع بعضها البعض، منها ما يعود إلى بدايات صعود الإسلام، والخلاف على الخلافة ما بين السنّة والشيعة، ومنها ما يعود إلى أربعينيّات وخمسينيّات القرن المنصرم، أي الأساطير القوميّة، بكل تنوّعاتها.

من سمة الحروب هو أنّها تُغذّي الأسطورة، وتمنح حامليها شعور بأنّ ما يحملوه من تصوّر عام للكيان (إن كان دولة، أقليم أم أمّة) قد أصبح تحققه قريباً، هكذا ارتفاع راية الخلافة فوق الأرض أصبح مسألة وقت، المهدي أصبح أقرب للظهور، والأمّة “العربيّة” أم “السوريّة” ستصبح واحدة قريباً. الحرب هي خزّان الوهم الذي يمنح “الأمان” للمجموعات المتقاتلة.

كما وأنّ كل اسطورة لها رمزها التاريخي والحالي، أناشيدها، وشعاراتها التي ترددها أثناء خوض المعارك الميدانيّة، أما “الشهداء” فهُم الذين توضع صورهم داخل مربع مع عبارات تجعل من الذي مات “قائداً”، ومكمّلاً لمسيرة بدأها الذين سبقوه.

***

في الحروب، يذهب الفقراء ليُقاتلوا بعضهم بعضاً. وحدهم الذين يُعذّبون، يتضررون، ويُقتلون. بينما القابضون على الأسطورة، من رجال سلطة، أصحاب رؤوس المال، مرتدي العمائم وربطات العنق، فهُم يحرّكون المشهد من خلف الكواليس، يبعثون الروح في الأسطورة، ويبقوها حيّة في الوعي الجماعي وذلك عبر أنظمة، منظّمات ومجموعات سلطويّة وفاشيّة تستخدم الأسطورة من أجل مصالحها وأجندتها على امتداد المشرق.

هؤلاء يخوضون الحروب دون أن يتضرروا أو يتضرر أحد من عائلاتهم، يسترخون في أماكن بعيدة، يجنون الأرباح، يزيدون ثرواتهم، يتّسع نفوذهم، ويتقاسمون المصالح في زمن الهدنة. يخوض الفقراء الحروب عنهم بالوكالة، إذ أنّه من النادر أن يموت الأغنياء في الحروب، بينما الفقراء فهُم مجرّد أرقام في حروب الأساطير. هُم الخاسرون الدائمون.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “حروب المشرق: الفقراء يخوضون حروب الأغنياء”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s