حرب الطبقات في بيروت


من سوق الأحد في ضاحية بيروت الشماليّة بعدسة كريم صقر

بقلم هاني نعيم

“هذه المدينة لنا”. “لن تجبرونا على الرحيل منها”.

كانت ليلة سبت ربيعيّة. بيروت مزدحمة من شرقها لغربها. في وسط المدينة، كان الازدحام فوق العادة. أوقفت دراجتي لاستطلع الامر. وجدت سائق تاكسي، في الخمسينيّات من عمره، حاملاً عصا صغيرة يُهدد بها بعض الشبان الذين تبدو على ملامحهم سمات الغنى، وعلى سيّارتهم الفخمة التي اصطدمت بسيّارة سائق التاكسي التي تعود إلى الثمانينات.

ارتبك الشبان الثلاثة الذين من الواضح بأنّهم لم يمرّوا من قبل في مثل هذا الموقف، ولم يتعرّضوا للصراخ أو التهديد من أحد. الرجل الخمسيني لم يُحاول ضربهم، بقي يُهددهم، ويُطلق عبارات هي خارج سياق “حادث السيّارة”، بل كانت عبارات أكبر بكثير من المدينة حتى: “هذه المدينة لنا”. “لن تجبرونا على الرحيل منها”.

رمزيّة هذا المشهد هو أنّ الصدام بين الطبقات الأكثر غنى والطبقات المسحوقة كان دون مستحضرات تجميل، ودون تحضير مُسبق. كما أنّ رمزيّة المكان كانت أساسيّة في تلك المشهديّة، وهو وسط بيروت، أو الوسط التجاري كما يُسمّيه التجّار والأغنياء، أو الوسخ التجاري كما يُسميه الطفّار، الفقراء ومسحوقي المدينة.

حدث في وسط المدينة التي قرصنت أملاكها، وأصبحت تملكها شركة واحدة، يمتلكها متموّلون، سياسيّون ورجال أعمال. وسط المدينة الذي شكّل قبل الحرب الأهليّة (1975- 1990) فضاءً للجميع، من فقراء، متوسطي الحال وأغنياء. وهو المكان الذي شكّل في حقبة ما بعد التسعينات رمزيّة سحق الطبقات الوسطى، وحرب الأغنياء على الفقراء. هذه السياسات جعلت من بيروت مدينة وحدهم الأغنياء قادرون على العيش فيها، وذلك بعد أن أصبحت الحياة فيها مكلفة للغاية، إضافة إلى سياسات تفريغ المدينة من الفقراء وذلك عبر إخراج المستأجرين القدماء من بيوتهم وشققهم عبر التعويض لهم بمبالغ لا تكفي لشراء شقق حتى في ضواحي المدينة، هذا ما يحدث في أحياء البسطا، الباشورة ووطى المصيطبة (الحي الذي تربيت فيه)، إضافة إلى تهديم الأبنية القديمة واستبدالها بأبراج فخمة لا يستطيع أن يقطنها سوى الأغنياء. هكذا تُصبح بيروت مقتصرة على الأغنياء، أما الفقراء فيعيشون في الضواحي، وضواحي الضواحي ويذهبون يوميّاً إلى بيروت، للعمل، كي تزداد أرباح وثروات الأغنياء.

تلك الليلة اعتبرتها نقطة تحوّل في حياتي. أحسست بشعور كان يُراودني لفترة طويلة، ولكنّي كنت اتغاضى عنه باعتباره مجرّد شعور عابر، وأحياناً حاولت أن أضع عليه مستحضرات تجميل، ولكنّي في تلك الليلة، اكتشفت بأنّ سائق التاكسي يُمثّلني أكثر من أي فكرة اخرى.

تركيبة السيستيم وقوانينه ليست سوى تركيبة تحمي الأغنياء، وتزيد من ثرواتهم على حسابنا. على حساب أهلك، وأهلي. على حساب الجميع. على حساب قوّتنا الجسديّة والذهنيّة. تُستغل طاقاتنا في خدمة السيستيم الذي يعمل بمبدأ واحد: النمو، الربح، وحصر الثروات بقلّة قليلة من الناس.

يعمل السيستيم على إعطائنا القليل بما يُساعدنا على دفع إيجارات منازلنا، سد قوتنا اليوميّ، ليبقى لنا القليل من المال نشتري به حاجيّات صغيرة لا تُغيّر في مجرى السيستيم إذا ما امتلكناها. هكذا نسكت عن واقعنا، نعتبر بأنّنا محظوظون لقدرتنا على النوم على فراش مريح، وفوقنا سقف. ولكن يبقى الخوف حارسنا الوحيد. يسكننا بهدوء، ويُحرّكنا كلّ يوم لنستيقظ عند الصباح، لنذهب إلى مكاتبنا، ولنسكت عن ما نسمعه من مدراء المكاتب وأصحاب الأموال كي لا نخسر وظائفنا، وينتهي بنا الأمر مشرّدون في الشوارع دون سقف وغذاء.

الخوف يُحرّكنا لنبقى تحت وطأة السيستيم الذي استحوذ على حياتنا، وحوّلنا إلى مجرّد آلات تدرّ الأرباح على أصحاب الثروات في حين أنّ الراتب الذي نأخذه آخر الشهر لا يكفي إلاّ للأساسيّات في حياتنا، أمّا إذا ما مرضنا يوماً ما، فهذا سيعني أنّنا سنُعاني كثيراً قبل التفكير بالذهاب إلى الطبيب، أو دخول المستشفى لأنّ ذلك لن يعني سوى كارثة ماديّة ستمتد لسنوات طويلة علينا.

***

يوماً بعد آخر، يزداد حقدي الطبقي. كم سُررت بأنّي وجدت في إحدى المدن الكبرى، غرافيتي في حيّ كلّه قصور فخمة مكتوب على إحدى الجدران الملاصقة لإحدى الفيلات: “نحن كابوسكم”. ففي هذا الصراع الطويل، عرفت مكاني جيّداً، وأصبح انتمائي واضحاً. أنتمي إلى هؤلاء الذين هُم تحت (على حد تعبير الرسام الكاريكاتوري ناجي العلي): الفقراء، المهمّشون، المتعبون، والعمّال المهاجرون اينما كانوا على هذه الأرض.

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

7 thoughts on “حرب الطبقات في بيروت”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s