التشرّد: ملامح السيستيم


IMG_2677
متشرّد في شوارع مدينة مومباي الهنديّة – بعدستي 2013

الفرح يغمرنا عندما تمطر. هي علاقة غريبة وقديمة تربطنا بذلك الشيء المقدّس، خصوصاً وأنّه يأتي بعد صيف حارق أشبه بجحيم أبدي، هو الشعور ذاته الذي يملأ روحنا عندما تطلّ الشمس من وراء الغيوم بعد شتاء قارس. هناك على الحافة، نقف، نشعر لوهلة بانّنا منفصمو الشخصيّة، إلى أن نتذكّر بأننا مجرّد كائنات تكره الرتابة.

رغم ذلك، لن يفرح الجميع بالمطر القادم. هناك دائماً من سيلعن السماء ومن فيها، الأرض وما عليها مع بدء الشتاء. هؤلاء يكرهون أيضاً الرتابة، وقد يكونوا من عشّاق المطر، ولكن أين يختبأ المشرّدون والذين لا مأوى لهم من المطر؟

اليوم، تحتضن الأرض أكثر من 100 مليون مشرّد يعيشون في شوارع المدن، على أرصفة الطرقات، مداخل البنايات، أقبيتها، مواقف السيارات والزوايا المظلمة. 78 مليون من هؤلاء يعيشون في الهند، والباقون موزعون على نيجيريا (24.4 مليون بحلول عام 2015)، كولومبيا (9.6 مليون)، البرازيل (6.6 مليون)، روسيا (5 مليون من بينهم مليون طفل)، الولايات المتحدة (ما بين مليون وثلاثة ملايين – لا يوجد مصدر واحد للاحصاءات)، كما ولا يغيب التشرّد عن أكثر الدول المصنّفة بالهادئة والمتقدمة من ناحية الضمانات الاجتماعيّة، ففي السويد يبلغ عدد المشرّدين فيها حوالي 18 الف شخص حسب احصاءات العام 2010.

لن يفرح هؤلاء بمجيء المطر الذي سيكون مزعجاً جداً لهم. لا سقف يحميهم كي يقفوا تحته ويتامّلوا المطر، ويكونوا شاعريين. المطر سيعني شيئاً وحيداً لهُم، البحث عن زاوية فيها سقف يحتمون بها من المطر والبرد.

في مدينة مثل بيروت لم نشهد ظواهر التشرّد من قبل. قد يعود ذلك إلى أنّ “الناس لبعضها”، فالعائلات والعشائر لن تقبل بأن يتشرّد أبنها أو أبنتها، وقبل الحرب الأهليّة كانت السياسات الإقتصاديّة أقل “وحشيّة” من ما هي عليه في حقبة الهدنة والحرب الباردة (ما بعد التسعينات)، إذ دخلت البلاد في حرب من نوع آخر: الحرب على الفقراء، ولكن رغم أنّ الفقراء وحدهم الذين يموتون في الحروب، فأعدادهم تتزايد أيضاً، فكل يوم ينضم كثيرون إلى الطبقات المسحوقة بعد اختفاء الطبقة الوسطى من المجتمع.

ومع انهيار القدرة الشرائيّة للناس، وصعود المصارف كقوّة أساسيّة في عمليّة شراء البيوت، أصبح امتلاك البيت حلماً مستحيلاً للإنسان القاطن في هذه البلاد، ومع ارتفاع اجارات المنازل، أصبح احتمال التشرّد أكبر.

في بيروت التسعينات، كان يقتصر التشرّد على العمّال السوريّون الذي قطعوا الاف الكليومترات من وراء الحدود للعمل في أعمال البناء والزراعة، حيث أنّ اجورهم اليوميّة لا تكفيهم ليستاجروا غرفاً للسكن فيها. كان الكثير منهم يفترشون المساحات تحت جسور المدينة حيث يقضون لياليهم بصمت. ولكنّ الاعداد الاكبر منهم، كانت تتشارك غرفاً ضيّقة، إذ كان يعيش في الغرفة الواحدة ما لا يقل عن ستة عمّال، في ظروف حياتيّة صعبة، وغير صحيّة.

ولكن مع حلول العام 2000، وما بعده، لم يعد يقتصر التشرّد على العمّال القادمون من وراء الحدود، بل أصبح يشمل من يسكن ضمن الحدود، هكذا أصبح من العادي أن نشاهد متشرّداً قادماً من مدن الاطراف أو الضواحي ليأخذ من شوارع المدينة بيتاً له. وعندما ظهر أوّل تقرير تلفزيوني عن المتشرّد الذي يجلس تحت جسر الكولا تفاجأ الجميع: الناس، الإعلام، المجتمع المدني، المؤسسات الخيريّة، وما تبقّى من دولة. علماً أنّ ذلك الرجل يقطن تحت الجسر منذ سنوات طويلة، وأهالي المنطقة يعرفون ذلك الرجل جيّداً.

4245632469_66be8ea380_o
متشرّد في شوارع رأس بيروت – بعدستي 2009

تفاجأ الجميع ولكن هذا لم يعني شيئاً. في هذه الأثناء كانت هذه الظاهرة تنتشر في أحياء اخرى من المدينة، خصوصاً في منطقة رأس بيروت، إذ يُمكنك أن تلتقي بمتشرّد عابر في هذا المثلث، ما بين شارع بليس حيث تتواجد الجامعة الأميركيّة في بيروت، وشارع المقدسي، وكراكاس. وقد يكون اكثر وجه حفظه ناس تلك الشوارع، علي عبد الله، الذي مات في الشتاء الماضي، بعد عاصفة برد قارسة. لم يحتمل علي البرد، أشعل كل ما يملك من أجل أن يتدفأ، ولكن البرد كان أقوى من عظامه وقلبه. هكذا، قضى علي في تلك الليلة المظلمة.

تفاقمت ظاهرة التشرّد مع بدء الإنتفاضة السوريّة وتدمير نظام البعث للمدن والقرى السوريّة، إذ تشرّد ملايين السوريين من بلادهم، منهم من نزح داخليّاً إلى مدن أكثر أمناً، وحوالي مليونين منهم تهجّروا إلى لبنان.الأغنياء منهم استأجروا غرف فندقيّة وشقق في أحياء الأغنياء،  البعض منهم استطاعوا تأمين مأوى عبر اللجوء إلى أقاربهم، أما هؤلاء الذين لا أقارب لهم ولا يملكون المال، أصبحت الشوارع والجسور مأواهم الوحيد. في زيارتي الأخيرة إلى بيروت، هالني مشهد العائلات التي تعيش تحت جسر الكولا وحوله. عشرات العائلات مع أطفالها ومسنيها تفترش الأرصفة وتعيش يوميّاتها وكأنّ الرصيف مأواها منذ زمن بعيد.  وفي صيدا أيضاً، يعيش حوالي 1300 إنسان، قادم من سوريا، في ظروف حياتيّة قاسية في مرآب تحت الأرض.

***

للبعض يبدو أنّ هذه الظاهرة ستنتهي مع إنتهاء الأزمة السوريّة، إذ يعود اللاجئون إلى منازلهم، وكأنّ شيئاً لم يكن، بينما البعض الآخر، يعتبر بأنّ هذه الظاهرة ليست ظاهرة مؤقتة، وهي غير مرتبطة فقط بالأزمة الحاليّة، بل إنّ جذور مسألة التشرّد تمتد في عمق الأزمة البنيويّة التي تعيشها الحضارة الصناعيّة، وكلّما تفاقمت هذه الازمة ستزداد هذه الظاهرة في جميع مدن العالم، ولن تقتصر على دولة دون اخرى.

التشرّد هو أحد ملامح السيستيم الذي يزدهر على حساب الفقراء والمسحوقين في العالم. ولن تختفي هذه الظاهرة إلاّ عندما ياكل الفقراء الأغنياء.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “التشرّد: ملامح السيستيم”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s