لائحة الأشياء الجميلة


شخصيات مسلسل ساينفلد مع جيري ساينفلد ولاري دايفيد
شخصيات مسلسل ساينفلد مع جيري ساينفلد ولاري دايفيد

حسناً، لستُ مجرّد كائن منزعج طوال الوقت كما قد يخطر في بال البعض خصوصاً وأنّي نشرت مؤخراً “لائحة الكائنات المزعجة” على صفحات المدوّنة. اليوم، اشارككم بلائحة من نوع آخر، وهي لائحة ببعض الأشياء التي تجعلني سعيداً. هي لائحة  أليفة تتضمّن أشياء بسيطة جداً، إذ أنّ السعادة تكمن في التفاصيل الصغيرة.

نحن في زمن فقدان الدهشة، وهذا ما يجعل عالمنا باهتاً ورخواً. وفي الآن عينه، اعتقد بأنّ كلّ منّا يستطيع أن يجد دهشته الخاصة به بعيداً عن ضوضاء التكنولوجيا التي حوّلت حياتنا إلى حياة بائسة مغلّفة بالالوان، الأضواء والمتعة الوهميّة، وبعيداً عن الانهيار اليومي البطيء للحضارة الإنسانيّة الذي تتّضح معالمه يوماً بعد آخر.

طبعاً، وضع الأشياء التي تجعلني سعيداً في الترتيب لا يعني بأنّ واحدة أفضل من الأخرى. لنبدأ:

Source: 500px.com by Ian Curcio
Source: 500px.com by Ian Curcio

– سيجارة وقهوة ما بعد الظهر: كوني بدأت أعمل في المكاتب منذ ثلاثة سنوات تقريباً، أدخلت بعض من الطقوس اليوميّة كي استطيع الاستمرار بالحياة داخل المكتب. ومن هذه الطقوس احتساء القهوة مع السيجارة في فترة ما بعد الظهر. أحياناً اتشارك هذه اللحظات مع اصدقاء في العمل، وأحياناً اخرى أكون بمفردي. استمتع بالشمس، أنظر إلى البحر، واتنفّس سيجارتي ببطء. هي فسحة للذات في يوم الإزدحام الطويل، ولا افوّتها على ذاتي رغم كل شيء.

– موسيقى الجاز: لا اتذكّر تحديداً متى بدأت التعوّد على الاستماع لموسيقى الجاز. في السنوات الخمس الأخيرة، أصبح الجاز يُرافقني في يوميّاتي، فلا يمر يوم دون الاستماع إلى مقطوعات من الجاز الكلاسيكي واللاتيني. هذه الموسيقى تجمع الفوضى والشغف في إيقاع واحد. هي خمر للروح، وحركة للجسد.

وقد صدرت مؤخراً دراسة علميّة اجراها باحثين صربيين بأنّ سماع موسيقى الجاز له تأثير فعال على القلب حيث أنّ لها تأثيراً مباشراً على إنتاج هرمون الاندروفين الذي يحسن قدرة الشرايين على التمدد وبالتالي يسهل عمليّة الدورة الدمويّة، ويمنح الشعور بالراحة، ويُخفف الألم. هذا ما يجعلني اتعلّق أكثر بهذه الموسيقى.

– القراءة قبل النوم: تمنحني القراءة متعة نادرة خصوصاً ما إذا كان الكتاب من ذلك النوع الذي تتمنّى أن لا ينتهي. “هكذا تكلّم زرادشت” للفيلسوف والعالم نيتشه هو من الكتب المفضّلة لديّ والتي لا تُغادر الطاولة المجاورة للسرير. صفحات معدودة من ذلك الكتاب كافية لنشوة ذهنيّة تستمر حتى لحظة إغماض العينين والإنتقال إلى مرحلة الموت المؤقت. هذا الكتاب لا يُقرأ دفعة واحدة، فهو من الكتب التي ترافق الإنسان حتى موته الأخير.

بكل الأحوال، بغض النظر عن الكتاب الذي نقرأه قبل النوم، فالقراءة عموماً فيها متعة ذهنيّة رائعة.

 مشاهدة مسلسلات “السيتكوم” والكوميديا الارتجاليّة (Stand up comedy): ديناميّة الحياة في المدن الحديثة معقّدة. تُحاول المدن الإيحاء لنا بأنّها أماكن جذّابة للعيش فيها، ولكنّ في الواقع، ملامح سكانها تفضح ذلك وتُظهرها على حقيقتها. فضاء متعب، قاس ورتيب، والجديّة فيه لا تُطاق خصوصاً إذا ما كان الكثير من السكان يرتدون البذلات الرسميّة وربطات العنق.

لأقاوم كل ذلك، لجأت إلى إحدى الغرائز الجميلة فينا: الضحك حيث أنّ فوائده تطال الصحّة الروحيّة، الذهنيّة والجسديّة. لا شكّ أنّ الأفلام الكوميديّة ومسلسلات “السيتكوم” تساعدنا على تفريغ الغضب والقرف والتوتّر من الأجساد.

لا بدّ من الإقرار بأنّ صناعة السينما الكوميديّة قد انحدرت في العقد الأخير وأصبحت مرتبطة أكثر بالجنس وهذا ما يجعلها مباشرة وهابطة، علماً أنّ أفضل الأفلام الكوميديّة انتجت خلال سبعينيّات وثمانينيات القرن الماضي.

على صعيد السيتكوم، بالنسبة لي، مسلسل “ساينفلد” هو الأفضل على الإطلاق بينهم. وقد عرض ما بين عامي 1989 و1998. مشاهدة حلقة أو اثنتين منه بعد يوم عمل طويل هو متعة جميلة، خصوصاً إذا ما قمت بمشاهدته مع صديق(ة).

ومن الإنتاجات الحديثة للسيتكوم، أوصي بمشاهدة “Curb your enthusiasm” لـ”لاري دايفيد”، أحد منتجي مسلسل “ساينفلد”، و”How I met your mother” الذي يُعتبر أيضاً من أبرز مسلسلات السيتكوم مؤخراً. كما ويمكنك دائماً أن تشاهد “South Park”، المسلسل الكرتوني الذي يسير على الخط الرفيع الفاصل ما بين الواقعيّة والسرياليّة.

بينما على صعيد الكوميديا الارتجاليّة (Stand-up comedy)، أعتبر “جورج كارلن” (1937- 2008) من المفضّلين لديّ. هو أكثر من مجرّد كوميدي يُرفّه عن الناس. هو فيلسوف ومُفكك لكل هذا السيستيم القمعي الذي نعيش في ظله. يُفكك كل شيء على طريقته الساخرة والعميقة في آنٍ واحد. وكل اسبوع تقريباً، اكتشف كوميدي آخر يضيف بُعداً آخراً على حياتي اليوميّة، إذ أنّ هؤلاء يغوصون في تفاصيل الحياة، يعرّون المشهد العام بسخرية جميلة تخفف من عبء المدن، تلوّثها، ضجيجها وأبراجها الشاهقة.

– القهوة مع الأصدقاء بعد العمل: هذا الطقس أمارسه مع أصدقائي بشكل اسبوعي. لا يمضي اسبوع دون الالتقاء مرّة أو مرّتين بعد دوام العمل لاحتساء القهوة. من أهم عناصر هذا الطقس هو أنّه أصبح لدينا المقهى الدائم. جلسة القهوة تستمر لساعات، نتحدّث فيها عن كل شيء، وطبعاً العابرون في الشارع لهم حصّتهم من أحاديثنا التي عادة ما تنتهي من حيث بدأت: “متى سنرحل؟”.

Source: 500px.com by Doğancan Özgubar

– احتساء جاك دانيالز: لا تمر عطلة نهاية الأسبوع دون احتساء جاك دانيالز مع الأصدقاء “الجاك دانيالزيين”. فرح استثنائي يزرعه العم جاك في خلايا الروح والجسد. هو خَدَر مرّ يعبر الوجه إلى آخر شريان في الدماغ، مروراً بالقلب. عندما يترافق ذلك المشهد مع موسيقى الجاز في الخلفيّة، يُصبح العالم أكثر خفّة، والانامل أكثر ثقلاً. أحياناً، يكون هذا كل ما اريده من هذا العالم المتّجه نحو الهاوية.

– الكاميرا الفوريّة: لا أعرف من أين جاء هذا الشغف القديم- الجديد بالتصوير الفوري. بدأت مؤخراً أحب هذا النوع من التصوير، رغم أنّي أمارس التصوير الرقمي كهواية وعمل منذ عام 2009، ولكن ما يُميّز التصوير الفوري هو أنّه لا هامش للخطأ أثناء التقاط الصورة، ولا مجال لتغيير الوانها أو إضائتها. هي صورة “بريّة” لا يُمكن تدجينها، ربّما هذا السبب الرئيسي وراء هذا الشغف، وربّما سبب آخر قد اكتشفه لاحقاً.

أثناء رحلتي الأخيرة إلى بلاد الهند الواسعة، وثّقت الرحلة بالكاميرا الفوريّة، ولا اخفي عنكم بأنّ متعتها فائقة جداً.

– اكتشاف سبب آخر لعدم الزواج وانجاب الكائنات الصغيرة: اعترف بأنّي مناهض لفكرة تأسيس العائلة، بما تتضمنه من زواج وإنجاب للكائنات الصغيرة. وقد أصبحت مؤخراً متطرفاً في هذا الرأي، ولكن هذا لا يلغي بأنّي يوماً ما قد أقع في هذا الفخ الذي نصبه الإنسان لذاته منذ زمن بعيد، واتمنّى أن لا يحصل ذلك لي، على الأقل في هذه الحياة. إلى الآن، لم ارى أي سبب منطقي يجعلني أخطو بذلك الاتجاه، نحو الهاوية. إلى ذلك الحين، الأرض ليست بحاجة إلى المزيد من الاكتظاظ.

 الفنون القتاليّة: نشرت مؤخراً نصاً عن هذه التجربة التي أعطت بُعداً مختلفاً لحياتي. يوماً بعد آخر، تتحوّل ممارسة هذه الفنون إلى متعة جميلة، وإيجابيّة خصوصاً وأنّنا بدأنا منذ شهرين تقريباً القيام بمباريات قتال قصيرة (fights) تمنح الروح والجسد قسطاً من الفرح العميق.

– الاسترخاء على الشاطىء: تقريباً، هذا الاسترخاء أصبح من معالم حياتي اليوميّة. وقد طوّرت، وعدد من الأصدقاء، عادة الاسترخاء الدائم. فنحن نسترخي في المقهى، في الشارع، في المنزل، في الحانة، وأثناء العطلات. الاسترخاء المفضّل لدينا هو على شاطىء البحر. هناك تتوافر العناصر الطبيعيّة التي تساعدنا على إفراغ التوتّر من الجسد والروح، لنستمتع حصراً بالسماء، البحر، الأفق الأزرق، والرمل. قضاء يوم واحد في الأسبوع على شاطىء البحر كافٍ لشحن الذات بالفرح الخفيف.

هذه هي لائحتي، ماذا عن لائحتك؟

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “لائحة الأشياء الجميلة”

  1. لايوجد لدي أوقات محددة لفعل أشيائي الجميلة، أكون في وسط ضغط عمل فأتركه لأكتب تدوينه أو أشاهد مقطع لجورج كارلن. الفوضى بالنسبة لي أكثر منطقية من الروتين اليومي المفرغ للإبداع والشغف فأشرب قهوة في أي وقت، لكن لاأسيء معاملة قهوتي، أشربها بطقوس حميمية. طقوسي في فعل كل شيء هي من أشيائي المحببة. أحب قططي وأشتاق اليها دائما وأحب أن نسترخي سوية آخر النهار. أحب سميرنوف بالليمون في عطلة نهاية الأسبوع، أحب قصص الخيال العلمي والخيال الابداعي وأكره عدم وجودها في الادب العربي منذ انتهاء قصة علي بابا وكليلة ودمنه. احب اليوغا التي تعرفت اليها حديثا، تبدو لي نشاطا سيرافقني طويلا خلافا لغيرها. اكتشاف سبب آخر لمعرفة لماذا النساء يعتقدن أن انجاب الأطفال مدعاة للتفاخر مع أن كل الكائنات تُخلِف، ويحاولن حثي على فعل ذلك لنكون كلنا متساويات بما أننا لانستطيع التساوي بالرجال في هذا العالم. عجيب.

    أعجبني

    1. فعلاً. الأشياء الجميلة لا وقت محدد لها.. وأحياناً لأنّها جميلة نضعها على جدول “الاعمال”..
      من الجميل انك تعرّفت على اليوغا، هي احد وسائل تغذية الروح، وتنقيتها من ضجيج الحداثة..والامر ذاته يضيفه التأمل الروحي..

      تحياتي الك🙂

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s