عودة الأخ الأكبر في مصر


السيسي.. الأيقونة التي لا تقهر!

بقلم هاني نعيم

يعمل الحكم العسكري في مصر، بقيادة القائد الأعلى للقوات المسلّحة عبد الفتاح السيسي، على إصدار قانون يُجرّم الذين يقومون بأعمال الغرافيتي بعقوبة تصل إلى سجن اربع سنوات مع 6000 جنيه (ما يُعادل 870 دولار أميركي) كغرامة ماليّة. يأتي هذا القانون تحت مسمّى “تشويه الحوائط والمنشآت العامة والخاصة”.

يبدو أنّ البعض في بلاد النيل  لم يقرأ جيّداً ماذا حصل في 25 يناير 2011. ببساطة، كل ما يُريد القيام به هو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وكأنّ شيئاً لم يكن.

يأتي هذا القانون ضمن حملة تكميم أفواه المعارضين لحكم العسكر، وأبرزها كان إيقاف البرنامج الساخر للإعلامي باسم يوسف، بعد انتقاده للمجلس العسكري وقائده، إضافة إلى استصدار قانون خاص بالتظاهر يقيد الحق بالتجمع والتظاهر الذي استرجعه المصريّون بعد إسقاط مبارك. ولكنّ هذه الحملة تترافق مع حملة اخرى أكثر خطوة وهي تكريس السيسي كأيقونة لا تُقهر، أو بمعنى آخر طاغية يخلف الطغاة السابقون.

منذ اللحظة الأولى للإنقلاب العسكري الذي قامت به القوات المسلحة، بدأ السيسي باحتراف لعبة تصوير ذاته على أنّه منقذ البلاد من الخراب والفوضى، وتقديم نفسه على أنّه الوحيد القادر على القيام بذلك.

–          صورة السيسي: إذا ما أردنا البحث عن صور السيسي، فهو على الأغلب، سيظهر مع نظارته الشمسيّة، خافياً ورائها عيناه، بما يجعلك تشعر بأنّه ربما ينظر إليك، وهذا النمط من الصور منتشر كثيراً بين طغاة العالم الثالث عموماً، وبين طغاة أفريقيا خصوصاً. وفي صور اخرى، يبدو السيسي بملامحه القاسية والبارزة، يُحدّق في الأفق، عين على المستقبل، واخرى تنظر إلى الواقع الآني. هذا النوع من الصور يوحي بأنّ السيسي هو الوحيد القادر على قيادة البلاد وإنقاذها.

تنتشر هذه الصور بين الناس، وترتفع في الساحات العامة، في المحلات، وعلى السيارات. وهي تعتبر جزء من استحواذ “الأخ الأكبر” على الفضاء العام للبلاد، وإعادة تشكيله بما يُماثل ملامح المخلص / الطاغية الجديد.

–          الحملات الألكترونيّة والشعبيّة والأغاني الداعمة للسيسي: برزت حملات شعبيّة ميدانيّة والكترونيّة تدعم السيسي، وتدافع عنه كبطل قومي. من هذه الحملات حملة “كمّل جميلك” التي تدعم ترشيح السيسي لرئاسة الجمهوريّة. هذه الحملة ستعمل على توزيع خمسة ملايين استمارة على كافة المحافظات، إضافة إلى مئة ألف صورة للسيسي تم توزيعها خلال الأسبوع الفائت في أنحاء البلاد. وإلى جانب تلك الحملة، ظهرت حملة اخرى “ناصر 2013″، وهذه الحملة تعتبر أنّ السيسي هو الوريث الشرعي لجمال عبد الناصر، الذي يُعتبر الأب الروحي للدكتاتوريّات العربيّة. وطبعاً، لم ينسى فنانو السلطة إصدار الأغاني التي تمجّد السيسي، وتعبّر عن عشقها له. وببحث صغير على يوتيوب يمكن الإستماع إلى العديد من تلك الأغاني.

–          الاحتفال بعيد ميلاد السيسي: أما أكثر ما يُكرّس السيسي، كطاغية جديد، هو دعوة بعض الهيئات الإجتماعيّة، السياسيّة، الثقافيّة والفنيّة للإحتفال بعيد ميلاد السيسي في التاسع عشر من تشرين الثاني في الساحات العامة. عادة الاحتفال بعيد ميلاد الدكتاتور لا يحصل سوى في أعتى وأشرس الدكتاتوريّات مثل الاحتفال الشعبي بعيد دكتاتور العراق القديم، ودكتاتور كوريا الشماليّة، إذ يُعتبر عيد ميلاد الدكتاتور يوماً وطنيّاً يحتفل به الشعب.

إذن هي حملة واحدة ذات رأسان تشنّها السلطة من أجل استرجاع الفضاء العام بعد أن استعاده الناس في ثورة 25 يناير، فهي من جهّة تجرّم الغرافيتي الذي أصبح جزء من المشهد المصري اليومي منذ بداية الثورة، وتعمل على تكميم أفواه المعارضين لها، ومن جهّة اخرى، تعمل على تكريس السيسي كأيقونة لا تُقهر، لتتماثل ملامحه مع ملامح الفضاء العام.

غرافيتي مناهض للعسكر والإسلاميين

سخر المصريّون من قانون تجريم الغرافيتي منذ اللحظة الأولى للحديث عنه. وقد انتشرت نكتة على وسائل الإعلام الالكتروني هي أنّ عقوبة رسم الغرافيتي 4 سنوات و6000 جنيه غرامة، وعقوبة القتل عن طريق الخطأ هي 3 سنوات و6000 جنيه غرامة بمعنى “لو حد مسكك وأنت بترسم غرافيتي، اقتله وخفف العقوبة”.

أما في الشارع، فبدأ الالاف من الناشطين وفناني الغرافيتي، الذين كانوا يعملون قبل بدء الثورة، والذين ظهروا أثناء المخاض، وآخرون سيظهرون كردّة فعل على عودة السلوك الدكتاتوري للسلطة، على التحضير للرد على قانون تجريم الغرافيتي. ومن الطبيعي أن تتوسّع عمليّات الكر والفر ما بين الناشطون والسلطة، ولكنّها ستكون أشد من المعارك التي خاضها هؤلاء مع حكم الإخوان الفاشل، إذ أنّه من الواضح أن العسكر سيُدافع بشراسة عن الامتيازات التي بحوذته.

واجه المصريّون الفاشيّة الدينيّة التي حاولت إعادة البلاد ألف عام إلى الوراء، واليوم تستمر معركتهم من أجل الحريّة في مواجهة الفاشيّة العسكريّة التي تحاول إعادة البلاد إلى ستينيّات القرن الماضي. فالمعركة على الفضاء العام، هي دائماً صراع ضد السلطة يخوضها المدافعون عن الحريّة. وما انجزه الشعب خلال الثورة من استعادة للفضاء العام لن يتنازلوا عليه بسبب بعض القوانين والحملات القمعيّة التي تقوم بها السلطة.

حان الوقت للدكتاتور الجديد أن يقرأ جيّداً ما يجري حوله، وإلاّ سيكون مصيره الإنضمام القسري إلى نادي قدامى الطغاة الذي تأسس مع بدء الإنتفاضات التي عمّت عالم ما بين الأزرقين.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “عودة الأخ الأكبر في مصر”

  1. الأخ أو الأخت كاتب أو كاتبة المقال :لقد اعجبني السياق التحليلي لما يختمر في الخلفية الذهنية للمواطن العربي نتيجة الشحن والضخ الاعلامي الذي يصور شخصية ما وكانها المنقذ الوحيد للأمة من ضياعها, انا ممن يؤمنون بالقائد التارخي الذي يستطيع بما حباه الله من امكانيات شخصية ان يكون كما البوصلة ليقود شعبه في الاتجاه الصحيح طبعا ضمن عملية تكاملية مع الشعب بطريقة هرمية تبادلية بين القائد والناس, لكن الحقيقة لفتني هذا الاطار الذي رسمه الكاتب(ة) للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وتصويره وكأنه “الأب الروحي للدكتاتوريات”. يبدو ان الكاتب لم يقرأ أولم يشأ أن يقرأ تاريخ مصر الحديث منذ 1952 وحتى 1970. هنالك فرق كبير بين الحاكم الصارم والعادل، وبين الحاكم المستبد؛ والاستبداد لا يتمظهر فقط بالعمل الأمني وحسب، بل بكل المنظومات التي يتبناها أي نظام وعلى رأسها الاقتصادي الذي يطال العدالة الاجتماعية أولا. طبعا الرد مقتضب لكني حاضر للنقاش الموضوعي بعيدا عن الأحكام المسبقة

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s