في جوار جسر الكولا


جسر الكولا، ويبدو فيه حي وطى المصيطبة من الجهة المقابلة

بقلم هاني نعيم

لكل مدينة وضاحية جسرها الخاص فيها.

بعد انتهاء الحرب الأهليّة، عادت عائلتي إلى حي وطى المصيطبة الملاصق لجسر الكولا، بعد أن أمضينا سنوات عديدة في بيت مهجور في منطقة الناعمة. هناك، في ذلك الحي، نشأت وعشت حتى الحادية والعشرين من عمري. شكّل الجسر محوراً لكل الأجيال التي تعاقبت على الحي: جيل جدي، والدي، جيلنا.. وجيل القادمون.

رسم الجسر حدود حركتي وحركة رفاقي في الحي. قبل بلوغي الثالثة عشر، كان أقصى ما يمكن الذهاب إليه هو حدود الجسر من جهّة الحي. بعد بلوغي الثالثة عشر، سمح لي أهلي بأن أعبر الجسر، بمفردي، إلى الجهة المقابلة منه: إلى طريق الجديدة. اعتبرت ذلك إنجازاً. أحسست بأنّي أنهيت مرحلة من حياتي، وبدأت مرحلة جديدة من البلوغ.

في البدء، كانت العائلة ترسلني، كوني الأبن الاكبر، لشراء تنكة من الزيت الزيتون البلدي من إحدى المحلات المتخصصة على مفرق الجامعة العربيّة. لاحقاً، أصبح عبور الجسر يوميّ بالنسبة إليّ، خصوصاً وانّ الحي الذي أقطنه صغير، ومحدود، أمّا طريق الجديدة فهي منطقة جذب، فيها سوق شعبي، ومراكز ترفيه تحتوي على العاب الفيديو (فليبر) والبلياردو. ابتداءً من العام 1997، تم افتتاح عدد من محلات الكمبيوتر التي تخوّلنا اللعب بالعاب الفيديو الحديثة، وبعد عام واحد تقريباً، دخل الانترنت على المشهد العام، وبذلك أصبحت منطقة طريق الجديدة مقر دائم لنا، للتسكع والترفيه.

عبور الجسر كان في الاتجاهين.  كان عبوراً سلميّاً ورياضيّاً. في منتصف التسعينات حتّى أوائل العام 2000، كانت لعبة كرة القدم في أوجّها في البلاد وقد كانت عاملاً “وطنيّاً” جامعاً بين مختلف اللبنانيين، قبل أن تندثر هذه اللعبة إلى غير عودة. في تلك الأثناء، كان الشباب من طريق الجديدة يأتون دائماً إلى حيّنا حيث كانت تُنظّم دورات كرة القدم المحليّة التي كانت تنظّم في الساحة الرمليّة الكبيرة التابعة لنقابة المهندسين، أو “البورة” كما نسميها. هذه الساحة كانت كالباحة الخلفيّة للحي، قبل أن تتحوّل إلى ساحة “زفت” تستخدم كموقف سيّارات تابع للنقابة.

هذه الحالة استمرّت حتّى ليلة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005. في تلك الليلة، اشتعلت بيروت أعمال شغب واحتجاج شعبي. منطقة طريق الجديدة المناصرة سياسيّاً لرفيق الحريري كانت أشبه ببركان. أحرق شبان من طريق الجديدة مقر الحزب البعث العربي الاشتراكي الذي يقع على الحدود مع جسر الكولا، كما عمدوا إلى إغلاق الطرقات عبر إشعال الإطارات تحت الجسر مباشرة. في الحي الذي أقطنه، استنفر الجميع ولم ينم أحد تحسّباً لأي اشتباك، ولكن هذه الليلة مرّت على خير.

تلك الليلة كانت حاسمة. فجأة، ارتسم خط تماس بين المنطقتين، والفاصل بينهما جسر الكولا العظيم. منذ ذلك الحين، بدأ التوتّر يتصاعد خصوصاً وأنّ المنطقتين مختلفتين طائفيّاً. الإشتباكات أصبحت متقطعة، ولكنّها دائمة. يقف المسلحون على طرفي الجسر ويُطلقون النار على بعضهم البعض. لم يُجرح أحد، ولم يمت أحد طيلة هذه الفترة، ورغم أنّ الدولة اللبنانيّة أرسلت آليّة عسكريّة تابعة للجيش، وركنتها تحت الجسر مع عدد من الجنود. لم يعنِ ذلك شيئاً للمتقاتلين. فقد بقيت الإشتباكات، والجيش يحتمي داخل الآليّة أثناء المعارك.

الجسر شكّل خطاً أحمراً. لا أحد يعبره للجهة المقابلة. لم يُكتب معاهدة من أجل ذلك، كان أشبه باتفاق غير محكي، وقد يعود ذلك كون عبور الجسر سيعني إصابات مباشرة بين الطرفين، أو حتّى حمامات دم لا أحد يستطيع تحمّل كلفتها، ولكن اضطرابات خفيفة بين الحين والآخر لا تضر، ولا تؤذي أحد وتُبقي التوتّر بين كافة الأطراف. بقي ذلك الوضع على حاله حتّى هذه اللحظة.

في حرب تموز 2006، كان الجسر محط أنظار الطيران الإسرائيلي، خصوصاً وأنّ مهمّة الطيران كانت تدمير كافة الجسور في البلاد وذلك من أجل تعطيل الحركة الداخليّة للناس، وعزل المناطق عن بعضها البعض. جسر الكولا هو شريان أساسي للمدينة وضواحيها. فهو يربط المطار بوسط المدينة، وقصفه سيزيد من عزلة الضاحية الجنوبيّة عن العاصمة. تم إخلاء الجسر، ما تحته وحوله من كل شيء: أقفلت مواقف الباصات، رحل بائعو الكعك والقهوة، كما أنّ أحدهم أجلى الرجل المشرّد الذي جلس هناك لعدّة سنوات دون ان يلحظه أحد سوى العابرون وأهالي الحي الذين كانوا يُساعدوه احياناً بتأمين بعض حاجيّاته.

لاجئة تحت جسر الكولا
لاجئة تحت جسر الكولا

بعد أسبوع على الحرب، رمت الطائرات المعاديّة مناشير تحذيريّة تُطالب أهالي الحي بالمغادرة لأنّ الجيش الإسرائيلي قرر قصف الجسر. عمّ الذعر في الحي. نزل بعض الناس إلى الملجأ الذي أعاد تأهيله بعض الشباب من أجل إيواء العائلات القادمة من الضاحية الجنوبيّة، الجنوب والبقاع، وبعضهم الآخر غادروا إلى مناطق آمنة، أما القلّة القليلة من الشباب فقد جلسوا مع الآراجيل في مواجهة الجسر، كي يُشاهدوا قصف الجسر. ما حصل أنّ الجسر لم يُقصف، كذلك بيروت التي تم تحييدها. الجسر كان جزء من الصفقة.

اليوم، يأخذ الجسر دوراً جديداً في الصراع الدائر في سوريا. فقد تحوّل إلى ملجأ للعائلات السوريّة المشرّدة من قراها ومدنها. عشرات العائلات مع مسنّيها واطفالها تجلس هناك في العراء، وقد أصبح الجسر سقفهم وبيتهم إلى أجل غير مسمى، خصوصاً وأنّ لا أفق حل في سوريا، كما أنّ توقّف دوّامة العنف الأهلي الدائرة هناك لا يعني أنّ القرى والمدن أصبحت جاهزة لاستقبال اهاليها. البلاد التي دمّرها النظام تحتاج إلى عقد ونصف على الأقل لتعود إلى كما كانت عليه. هذا ما عايشه ويعيشه جيلي مع الجسر.

جسر الكولا أثناء الحرب الأهليّة (1975-1990)

قصص والدي وأصدقائه كثيرة عن الجسر، وهي تعود إلى حقبة الحرب الأهليّة الممتدة ما بين 1975 و 1990، ولكنّ هذه القصص دائماً ما ترتبط بمعلم آخر من معالم الحي، وهي بناية “كليّة الإعلام” التابعة للجامعة اللبنانيّة، والتي تعتبر شاهقة نسبة لبيروت القديمة، فهذه البناية هي الحارس الذي حمى المنطقة من الجيوش، الميليشيات والعصابات،على حد تعبير الذين عاصروا الحرب من مدنيين وعسكريين. فهي تطل على المناطق المحيطة بالحي: منطقة رملة البيضاء، طريق الجديدة، المدينة الرياضيّة وكورنيش المزرعة، وقنّاص واحد كان كافياً لحماية المنطقة من أي معتدي.

من على هذه البناية، تم إطلاق النار على الجيش اللبناني عندما كان بإمرة رئيس الجمهوريّة السابق أمين الجميّل، وعلى الجيش الإسرائيلي عندما اجتاح بيروت، وكذلك على الجيش السوري. إطلاق النار تمّ من البناية على آليّات تلك الجيوش أثناء عبورها فوق الجسر للدخول على المدينة. العلاقة ما بين تلك البناية والجسر هي علاقة نار وبارود، فهي تشكّل الإمتداد العامودي للحي، أما الجسر فهو الإمتداد الأفقي له.

بالنسبة لجدّي الذي توفي عام 1993، وشارك في الحروب الأهليّة منذ عام 1957 حتّى 1990، لم ألحق قصصه عن الجسر، ولكنّي أتذكّره في سنواته الأخيرة عندما كان يملك “بسطة دخان” على رصيف جسر الكولا، يُقضي وقته فيها عوضاً عن الجلوس في المنزل والصراع مع اللاشيء ومرضه الخبيث. جلوسه هناك أزعج عناصر المخابرات السوريّة التي كانت تقوم كلّ يوم بمضايقته وتفتعل المشاكل معه. ذهب جدّي، خرج البعث من بيروت، وبقي الجسر الذي يبدو أنّه لن يرحل أبداً.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “في جوار جسر الكولا”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s