مقابلة مع هنيبعل نعيم عن الكتابة، الغرافيتي والربيع العربي


أثناء زيارتي الأخيرة لبيروت، أقامت مجلّة “سكون” مقابلة مطوّلة معي، أدناه نص تلك المقابلة التي تناولت مواضيع مختلفة.

إعداد سكون.

يفاخر هنيبعل نعيم (27 عاماً) بأنّه “إنسان ضد الإطار” كما جاء في مدونته “هنيبعل يتسكع في الأرجاء”.  البيئة السياسية والعلمانية بامتياز التي ترعرع فيها هنيبعل ساهمت بتوجهاته اللاحقة خارج الأطر الضيقة سواء كانت أطراً مذهبية او طائفية، بحسب تعبيره. النضال كان هاجسه الأول نتيجة وعيه لحقوق الناس والعمال، حيث شارك منذ أن كان عمره17 سنة في الحركات والمظاهرات العمالية والنقابية برغم الوعي المحدود، حيث كان يلتقي استاذه في المدرسة وفي النضال حنا غريب. وكان لهنيبعل تجربة مهمة في المجتمع المدني: فقد انخرط في العمل المدني والاجتماعي، خصوصاً في حرب تموز 2006 مع حركة صامدون، وتطوّع في عمليات اغاثة المهجرين في حديقة الصنائع ومن ثم في عيتا الشعب بعد عودة المهجرين الى بيوتهم. في عام 2007، التحق بالبيت العلماني الذي شكل تجربة مميزة والهاماً للكثيرين وكان فسحة ثقافية وفكرية وفنية لجميع العلمانيين. في لقائه مع سكون، أعرب نعيم عن وجهة نظره فيما خصّ نشاط المجتمع المدني، وناقش موضعات تتعلق بمدونته بالإضافة الى كتابه الأول “غرافيتي الإنتفاضات”. كما قدّم رؤيته عن الربيع العربي، والدور المطلوب من العلمانيين والمثقفين بشكل عام في سبيل تحقيق تغيير مجدي.

–       ما هو تقييمك لنشاط المجتمع المدني؟ وما هي آفاق هذا العمل؟

أعتقد أنّ المجتمع المدني في لبنان يفتقر للجدية لأنّ مقاربته كلاسيكية. مشاريع المجتمع المدني منفصلة عن بعضها وقد رأينا في السابق مجموعات جدية أكثر ولكن المفقود هو تأسيس حركات كبيرة على الأرض، بعد أن تقسمت هذه القضايا مع افتقار الجمعيات لمتابعتها حتى النهاية. وهذا ما يجعل المجتمع المدني يقف مكانه من دون رؤية واضحة للحلول. شكّلت الانتفاضات العربية (الربيع العربي)فرصة للبنان للقيام بتغيير حقيقي، ولكن طريقة تعاطي الناشطين مع المسألة أضاع الجهود والطاقات، وقد كنت من المعارضين لحركة اسقاط النظام، بسبب عدم جديّة العمل والمقاربة التي استخدمها الناشطون. أظن أننا فقدنا هذه الفرصة التي من الصعب ان تعود.

اليوم، مقاربتي للبنان كدولة ومجتمع تختلف عن السابق، ولم أعد حتى أؤمن بالدولة الواحد، وربما أرى الكونفدرالية هي حلّ في مكان ما، وعلينا إعادة النظر في الصيغة الحاليّة . وإن أراد العلمانيون أن يغيّروا بشكل حقيقي، عليهم العمل على الأرض عبر مشاريع طويلة الأمد وليس عبر الإعتصامات والتظاهرات التي تنتهي مفاعيلها بعد ساعة.

–       لماذا “هنيبعل يتسكع في الأرجاء”؟ وما هي “قصة” القصص القصيرة التي تنشرها؟

في الحقيقة اسمي هنيبعل وقد اختار لي والدي هذا الاسم ولكن تم اختصاره في الهوية الى هاني. واصبح الماركة التجارية المعروف فيها. اما عنوان التسكع للمدوّنة فهو يعكس نَفَس المدينة وحركتها خصوصاً في الشوارع حيث تختبر القضايا الحياتية.  وبالنسبة للمواضيع التي اكتبها فهي تتلخص في الكلمة المفتاح  والمرجع الأساسي بالنسبة لي وهي: الحرية. لذلك تشكّل المواضيع النسويّة، الحريّات العامة، مناهضة السلطات وحقوق المهمّشين والأقليات المختلفة الجزء الأكبر من الكتابات.

وتبقى هناك القصص القصيرة التي اكتبها وانشرها من خلال نفسي روائي كما يرى الكثيرون، وأطمح لتطوير المشروع الروائي خاص. ومن خلال هذه المدوّنة أستطيع أن أعلم رأي الناس فيما أكتب وأتحاور معهم من خلال تعليقاتهم. عندما اشرع بكتابة القصة ادخل الى كواليس المشاهد اتي نعيشها. فعلى سبيل المثال، قبل أن أكتب عن “المقاتل السوري” كنت استخدم الماترو في دبي واراقب الناس وأحاول ادراك مايفكرون به او بالأحرى أن أذهب الى كواليس ما يحصل لأعرف السياق العام للفرد، وأعود لأخلق مشاهد بصرية للامرئي. “المقاتل السوري” كان محفزاً لي لأعرف ماذا يفكر هذا الشخص عندما يذهب الى المعركة وما يجري في وجدانه. خصوصاً أنّ هناك بعض المقاتلين لا يملكون الخيار بل أن القتال مفروض عليهم. كما رويت كيف ان الناس قد لا تحتاج سوى لأمور قليلة وبساطة كي تشعر بالسعادة.

**********************

–       عملت في مجال الصحافة ومن ثم الكتابة وبعدها في التدوين. هل هي مجالات مختلفة؟ وماذا عن الكتاب الذي نشرته؟

 أنا لا افصلهم ولكن التجربة مختلفة. عندما اكتب في الجريدة هناك احتمال ان لا يقبل موضوعك وهناك معايير على الصحافي الالتزام بها لجهة النبرة ولجهة ولمن هو موجه الحديث. في المدونة، الكاتب وحده يحدد النبرة والكلمات التي يمكن نشرها. وكان عليّ أن انشر على مدونتي الكثير مما لا استطيع نشره على في الجريدة. كذلك، فان عند كتابة المقالة، من غير المطلوب ان أقدم شيئاً جديداً او مختلفاً جداً عما هو منشور.

بالنسبة للكتاب، فقد جاءت الفكرة بعد دراسة نشرتها عن الغرافيتي والانتفاضات العربية ونشرتها في الآداب. وقد شعرت لاحقاً أنه لدي الكثير من لأنشره في هذه الخصوص من خلال كتاب. وهذا ما تطلب عملاً لمدة 5 أشهر وكان عليّ أن أضعه ضمن سياق معيّن، وعلينا إضافة المزيد والجديد والحديث إلى ما سبق ونشر.

ولذا كان الكتاب قد أشعرني بمسؤولية اكثر من المقالة  و ينقل الكتابة الى مستوى احترافي أعلى، ويفتح الباب للمزيد من الانتاج القادم.  الكتاب كان مكتوب بلغة بسيطة وسلسلة بالرغم من تعقيداته. هذا ما اخبرني به العديدون من القراء القادمون حتى من خارج المعترك الثقافي، والذين تعرفوا من خلال على الغرافيتي، ما كان له أثر ايجابي عليّ خصوصاً في ظل فقدان المكتبة العربية لكتب مماثلة.

*************************

–        ما هو النقص الذي يعاني منه المجتمع الثقافي العربي كي يرتقي الى مستوى أفضل؟

لا أعتقد أننا نعاني من نقص في المبادرات الثقافية ولكن تبقى مشكلة المثقفين أنهم يخاطبون بعضهم ولا يتوجهوا الى الناس باعتبار أنّ “الناس” لا تفهم وليس موجهاً للقراء العاديين. وهذا ما نحاول فعله في راديكال بيروت من خلال مجموعات من خلفيات مختلفة من لبنان ومن منطقة الشرق الأوسط، حيث ترتكز رؤيتنا على تغيير أكثر راديكالي عبر نضال يومي وسنصدر في القريب مجلة “ألف” الناطقة باسمنا.

منطلقاتنا الأساسية أننا لن نطالب الدولة بعد اليوم بالتغيير كما فعل الجميع طوال السنين الماضية إيماناً منا أن هذه هي فكرة كلاسيكية تبناها اليسار الكلاسيكي، وبالتالي علينا نحن السير بمشاريعنا. الناشط الحقوقي عليه ان يبدأ بالتغيير في مكتبه ومصنعه وحتى ربة المنزل قد يكون لها معركتها اليومية في منزلها، وحتى الوالد يمكن ان يكون ناشط اجتماعي من خلال ما يقوله لأولاده. ولذا علينا ان نُخرج هذا المجتمع من الأطر المرسومة ومن صورة الناشط الكلاسيكية.

–       نرى ان الشباب يهاجر او يبتعد أو يترك البلد، كما فعلت أنت. ماذا يحصل؟

شخصياً، لم اترك بيروت مختاراً بل لأن البلد بات يطرد شعبه. لا أعتقد ان هناك شخص يفضّل ان يذهب الى حيث لا ارتباطات عاطفية ولا وجدانية لديه، ولا أن يسافر الى بلد يشعره طوال الوقت بعدم الأمان. أغلبية الناس تترك البلد بسبب نفاذ الخيارات لديها كي تعيش حتى بالحد الأدنى حيث تحول البلد الى قاعة انتظار قبل إقلاع الطائرة. وقد قابلت أحد الأصدقاء وسألته عن جميع الأصحاب فأخربني أنهم غادروا وأنه شخصياً وزوجته في طور الإعداد للمغادرة  كذلك. خلال وجودي في دبي رأيت كيف أغلب اصحابي قد باتت هناك أو إلى مكان آخر. لم يعد هناك من شي يمثلني مما هو موجود حالياً، والعبث وللامنطق أصبح هو المسيطر على الحياة اليومية خصوصاً ان الشرق الأوسط دخل الى مرحلة الحرب الأهلية الباردة.

***********************

–       منذ العام 2011 وحتى الآن، نحن فيما يسمى “الربيع العربي”. ما هي رؤيتك لهذه المرحلة؟ وهل تعتقد أن العالم العربي مؤهل للحرية؟

منذ خمسين عاماً حتى الآن، عاني المجتمع في العالم العربي من سياسات تفتيت ممنهج على يد السلطات الحاكمة فيه، مقابل فشل كل المبادرات اليسارية والعلمانية والمدنية وكل الطروحات البديلة. ما أفضى الى خلاصة مفادها أن الإسلاميين كانوا طوال هذه العقود الخمسة يستفيدون من واقع القمع على يد الانظمة ومن النقمة الشعبية على هذه الأنظمة، مع مشاريع بديلة وخطاب موجه للجميع لدى هذه الأحزاب.

أما الحرية، فرأيي أنها لا تتطلب تعليم أو معرفة مسبقة لنطمح لها. وفي النموذج السوري، كان المواطن يعيش مذلة يومية مع تبرير لحكم الجزمة. ولكن أعتقد أنّ هذه الشعوب لها قدرة وحدود للتحمل قبل ان تنفجر نتيجة الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والقيود على التعبير والحريات. بعض الأنظمة قد تتشابه ولكن تجربة الشعوب مختلفة ويكمن ذلك في عدم تهيئة الظروف المناسبة ما يؤجل الثورة.

–       وكيف ترى الوضع في مصر مع تحولات الثورة من الإسلاميين الى العسكر؟

مع صعود الرئيس محمد مرسي الى الحكم، كتبت “ليستلم الإسلاميون السلطة” بالرغم من معاداتي للاسلام السياسي ولكن كانت رؤيتي مبنية على أساس أنهم كانوا القوة الوحيدة الأقدر على استلام السلطة مع طروحاتهم الدائمة ان الإسلام هو الحلّ، وبالتالي كان يجب اختبارهم سواء في تونس او مصر او ليبيا. وللأسف كان العلمانيون على الحياد سواء في لبنان او في هذه البلدان، بل أن الكثير من العلمانيين يدافعون عن الأحزاب السياسية الدينية من حماس وحزب الله، بحجة مقاومة اسرائيل. ولكن المشكلة ليست في اسرائيل، فما همّني تحرير الأرض إن كانت الأصولية هي المسيطرة على المجتمع؟

بالنسبة للعسكرة، أنا أقف دائماً ضد الأسلوب العسكري وضد الجيش بشكل مطلق لأني أرى فيه أداة قمع تستخدمها السلطة للدفاع عن نفسها. وأسوأ الظروف هي وصول عسكري الى الحكم. وربما نجح الجيش في البدء في تحييد مصر عن الصراعات غير أنّ ما ارتكبه لاحقاً من مجزرة في رابعة العدوية ضد الأخوان المسلمين سيكون له مفعول ايجابي على الأخوان ويزيد من التعاطف معهم، وهذا برأيي تكرار للتاريخ لأن القمع يستجلب تأييد وتعاطف. وهذا شبيه بما فعله اليهود بحجة المحرقة والتي على أساسها ارتكبوا المجازر بحق الفلسطينيين لاحقاً.

نشرت في مجلة سكون

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “مقابلة مع هنيبعل نعيم عن الكتابة، الغرافيتي والربيع العربي”

  1. انا معك، كتير من المثقفين العرب بيكتبوا لبعضهم. أحيانا بقرأ لواحد بيكون كاتب بلغة مقعرة وسمجة بالكاد أفهما، وانا أعتقد انني أحمل الثقافة التي تمكنني من قراءة كل شيء. لكني أسأل نفسي: كيف سيفهما الناس؟ وهذا أيضا سبب من أسباب تخلف العالم العربي وعدم استئناس الناس بالقراءة.
    وأحيانا بعض المثقفين بيكونوا عاملين شلة وعم يكتبوا ليجاكروا بعضهن.

    أعجبني

    1. مية بالمية. حتى اذا بدنا نشوف الصفحات الثقافية بالصحافة اليوميّة فتحوّلت لـ كليكات مغلقة بتمدح بعضها البعض، وبتهاجم الاخرين مجرد لانها ما بتنتمي لمجموعتها..

      تحياتي

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s