ليلة قدره: جحيم، سرياليّة وخدر


 

إصرار الذاكرة – من أبرز أعمال سلفادور دالي 1931

هو لم ينتظر الجحيم يوماً. يقينه كان أنّه مسكون بالجحيم منذ أن كان في أحشاء أمه. ما كان يفصله عن العالم الخارجي مجرّد غشاء قاسٍ. الضوضاء كانت تتسرّب إليه رغم أنّه محاصر بسوائل غريبة، ملتصقة بجسده الضئيل، ومكبّلة يديه، أرجله وعنقه. حينها لم يكن لديه خيارات كثيرة، كل ما كان بإمكانه التوصّل إليه من خلاصات واستنتاجات هو أنّ العالم الذي سيخرج إليه بعد عدّة أشهر لن يكون كما يوحي إليه أحد. في بادىء الأمر، انتابه قلق بحجم جسده.

لاحقاً قناعة اخرى كانت تأخذ حيّزها في مسامات روحه المترامية. قناعة جاءت بعد احتكاكه بالضوضاء وهي أنّ العالم ليس جحيميّاً كما خيّل إليه، بل الجحيم يعيش في داخله هو. وهذا ما منحه اطمئنان نادر، وأبعد عنه الأرق الأزلي.

كل يوم يمضي كان يستشكف زوايا اخرى من الجحيم. ساعدته المدرسة، كجهاز تعليمي سلطوي، على دخول العالم المظلم الخاص بالأطفال، من الناظر العابس والغاضب أغلب الأحيان، إلى الولد المتنمّر الذي لا يكفّ عن مضايقته. رغم أنّ خوفاً ما ملأ أوّل سنوات دراسته كونه لم يكن مستوعباً بعد ما يجري من حوله، ولكنّ حادثة صغيرة غيّرت فيه الكثير، وأخذته إلى الضفّة الاخرى من العالم المظلم.

في أحد الأيام، عندما طارده الولد المتنمّر ليأخذ منه سندويشته التي كانت تعدّها والدته بدفء منقرض، دافع على غير عادة عن نفسه وعن ممتلكاته المحدودة، وقام بضرب المتنمّر وأوقعه أرضاً. تفاجأ من ما كان يحمله في داخله من عنف وقسوة، ولكنّه لم يُبرز ذلك للمتنمّر، وهكذا أصبح هو المتنمّر الذي يخاف منه ذلك الولد، وأصبح يتحاشى المرور بجانبه، وهذه كانت أوّل معركة يخوضها وينتصر فيها للجحيم الذي يسكنه.

لاحقاً، اكتشف لغزاً سهّل عليه فهم العالم، وهذا ما ساعده على العيش فيه دون اضطراب. ففي إحدى الليالي، عندما كان عالق في شقّته الضيّقة التي تقع في إحدى ضواحي المدينة، يحتسي الجاك دانيالز ويستمتع بالجاز، اكتشف الخيط الرفيع الذي يربط جحيمه الداخلي بسرياليّة العالم. ومضت عيناه وكأنّه رجل كهف وجد فريسته التي سيأكل منها هو وعائلته لخمسة أيّام مقبلة، وهذا ما سيُريحه من الصيد لبعض الوقت، ولكن ما وجده هو فريسة أبديّة، يمكنها أن تكون زوّادته حتى اليوم الأخير لوجوده على الكوكب، وحتّى لآخر نفس سيتنفسه، بغض النظر عن الطريقة التي سيموت فيها إن كان موتاً بطيئاً على الكنبة، تحطّم طائرة يقلّها إلى إحدى الجزر النائيّة، أو في حروب أهليّة متفرّقة، خصوصاً وأنّه يعيش في مدينة تعشق الحروب العابرة.

في تلك الليلة، كان الجحيم في داخله يغطّي أصقاع روحه. جحيمه أصبح بحجم الكون، وهذا ما يجعله ثقيلاً، ولكن في الآن عينه، كان العالم في الخارج يزداد سيراليّة، وعبثيّة. فهو هش بجوهره، هزلي وغير قابل للتصديق.

كانت السرياليّة تُحيط كل شيء: الناس، الشارع، المدن، المدارس، مكاتب العمل، المصانع، دهاليز السلطات، أقبيّة المخابرات، وشاشات التلفاز. لم تترك السرياليّة مكاناً إلاّ وكانت تسكنه. يبدو العالم له وكأنّه مشهد طويل من السيتكوم الساخرة، وهذا ما يجعله خفيفاً عليه.

أكتشف أنّ الجحيم والسرياليّة مترابطان بحبل خفيّ، كالجنين وامه. فهما يكبران معاً، ويتغذيان من بعضهما البعض. في تلك اللحظة، وجد ضالّته، انزل بعض من الأرق عن كتفيه، وبعد أن كان شعوره بأنّ قدره يقوده إلى الهاوية، وجد التوازن الذي يجعله واقفاً على الحافة التي تفصل ما بين العالمين: جحيمه الداخلي وسرياليّة العالم.

هي الحافة التي تمنحه بعض من الخفّة، وبعض من الثقل. أما الباقي فهي تفاصيل يكتب عنها عندما يقلّ منسوب الخمر في جسده، ويخف الخدر الذي يلفّ دماغه. دائماً ما يأخذه الخدر إلى زوايا مظلمة في روحه تنير دربه الطويل.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s