عبث، حرب وآيس كريم


syrian

هو لا يشبه الآخرين، ولا يختلف عنهم بشيء. مضى عام ونصف على انخراطه في القتال الذي يبدو له الآن بأنّه لن ينتهي في المدى المنظور. منذ ذلك الحين لم يلتقي بأحد من عائلته التي نزحت إلى إحدى المدن الساحليّة الهادئة بعد قصف منزلهم وتدميره.

ما بين البارود والموت تتوزّع ذاكرته التي مازالت تحفظ وجوه أحبائه ومن فقدهم، عدا ذلك ليس سوى السراب يسكن أحشائه. يوميّاته المتكررة تشبه بعضها لحد الملل، رغم أنّ احتمال موته يتكرر في كل دقيقة.

مع اشتداد الحرب، وكلّما سنحت له الفرصة بأن يكون وحيداً، يشرد بالوجود وما فيه. شروده لا يحمل الكثير من البصريّات، وكأنّ كيانه محاط بالضباب. لوهلة نسي لماذا يُشارك في الحرب التي أصبحت لا تعني له شيئاً سوى أن يبقى على قيد الحياة. هو عالق في الحرب، وإلى حين انتهائها، سيُدافع عن حياته، وقد يقوم بقتل آخرين من أجل ذلك. تصالح مع هذه الفكرة بعد أن مات رفيقه بين يديه إثر إصابته بطلقة قناص.

أحلامه تقلّصت منذ اليوم الأوّل لحمله السلاح. التجريد أصبح سمة من سمات حياته. كل شيء تغيّر، حتى الوطن الذي يُريده حرّاً أصبح مجرّد ركام، وخالٍ من أهله. المنطقة التي يُقاتل فيها خالية من كل الذين لا يحملون السلاح. كل ما فيها ثلل عسكريّة، وبعض القطط التي تنازع من أجل البقاء.

مع الوقت أصبح لديه قطّته المفضّلة. هي قطّة شقراء صغيرة، أصبحت رفيقة الملل الحربي، تمرّ كل يوم به، يُشاركها بعض من طعامه القليل، ويداعب رقبتها، قبل أن تذهب إلى مجهولها. أحياناً، كان يغار من القطّة، كان يشعر بأنّ ظروفها أفضل من تلك التي يعيشها، رغم أنّ الحرب فرضت عليهما معاً. في هذه اللحظة يتساوى مع الحطام والقطّة الشقراء غير المكترثة للوجود.

وحدها الشمس التي تخترق مساماته، وتحط على زنده وسلاحه تُعيده إلى الواقع الذي تجرّد من واقعيّته. لا مخرج له من هذا العالم. هو أشبه بكَون ذات مدخل واحد، نافذته تطلّ على اللامكان. ومع أنّ كل شيء يبدو كئيباً هنا، السماء تُعطي بُعداً مختلفاً للمشهد. تبدو صافية، زرقاء، متدفّقة كروحه التائهة. السماء شاهد آخر على الموت.

عالمه القديم انتهى إلى غير رجعة، وعندما ينظر إلى الوراء يشعر وكأنّ قرون طويلة مضت على دخوله هذا العالم، ولأنّ عالمه الجديد حقيقي بقسوته ورائحة باروده، تنتابه أفكار بأنّ عالمه القديم لم يكن موجوداً في السابق، وما عاشه كان مجرّد تهويمات ورغبات ذهنيّة أكثر من كونها أحداث حدثت بالفعل معه. مع تشكّل العالم الجديد الذي يحياه بتفاصيله، أصبح عالمه القديم بحكم الواقع غير موجود. بالنسبة له، لا عالم خارج الحرب. الحرب هي الطريق.

الآن، يقف تحت الشمس الحارقة، حاملاً بندقيّة الكلاشينكوف على كتفه، ومستلقياً بجسده الأسمر على بقايا حائط بيت صغير. أحلامه أصبحت أصغر من وطن. يشتاق إلى الآيس كريم. مضى وقت طويل على عدم تناوله للآيس كريم بنكهة الفراولة. هي نكهته المفضّلة منذ أن كان صغيراً، وكانت أحلامه أكبر من وطن. ينظر إلى الركام حوله، يدخل إلى أعماق روحه، لم يعد يحتمل كل هذا العبث.

 لم يعد يُريد شيئاً من هذا العالم، كل ما يُريده هو الاستمتاع بالآيس كريم.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “عبث، حرب وآيس كريم”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s