الأقليات وسلفادور دالي


الأقليات وسلفادور دالي

كيف تعمل الأقليات؟

بقلم هاني نعيم

ملاحظة: النص أدناه لا يهدف النيل من أي مجموعة أقليّة، وهو بشكل او بآخر، يطال جميع سكان هذا الشرق المُنهك.

The Persistence of Memory by Salvador Dali – ثبات الذاكرة

الأقليات، مسكونة بالمستقبل، وتعيش في الماضي. أما الحاضر، فهو لتمرير الوقت، وقتله. للأقليّات قدرة فائقة على العيش خارج الزمن، وفي الوقت عينه التشبّث بالمكان، والحفاظ عليه.

قدرتها على العيش خارج الزمن ساعدتها على البقاء حيّة في المحيط الكبير. وكأنّها بذلك، تحمي نفسها من الإنزلاق نحو الانقراض. هكذا عاشت لعشرات القرون، وستعيش لقرون قادمة. ولكن أثناء عزل نفسها عن الوقت، تقوم الأقليّات ببعض الأنشطة، نشارك معكم بعضها:

– العيش على أمجاد الماضي: تحمي الأقليّة نفسها بدرع من الذكريات. تتذكّر دائماً الماضي، تستحضره وكأنّه جرى الليلة السابقة. هذا الماضي هو سبب استمرارها. فلو كان مساره مختلفاً، لكانت المجموعة الآن من الماضي.

– الأساطير الشعبيّة: الأقليّة كأي مجموعة إنسانيّة اخرى بحاجة إلى اساطير شعبيّة، تكون مصدر فخر لها. ولكن الفرق بين الأقليّة وغيرها من المجموعات هو أنّها تنتج الأساطير بشكل يومي، وأي حدث بطولي، مهما صغر حجمه، يتم تضخيمه أضعاف المرّات عند حدوثه، ويصل إلى الأجيال اللاحقة كحدث استثنائي، يحمل الكثير من الخرافيّة، ولكنّهم يتعاملون معه كحقيقة، وواقعة تاريخيّة. لذا للأقليّات خرافات واساطير شعبيّة حديثة. إن كان لديكم شك، استمعوا جيّداً إلى قصص أبناء الأقليّات عن الحروب التي خاضها أجدادهم (حروب القرن التاسع عشر)، ابائهم (الحرب الأهليّة، والتي يخوضونها بأنفسهم عند الحاجة (روايات وقصص الحروب الكبرى والصغرى). اليوم، تفرز الأزمة في سوريا نوعاً جديداً من الأساطير الشعبيّة، التي لم يتسنّى لنا سماعها حتى الآن.

the battle of Tétouan by Salvador Dali

– المشاركة في الحروب الأهلية: تشكّل هذه الحروب إحدى خزانات الوقود للأقليّات، رغم أنّها استنزاف وجودي لها. ولكنّها عندما تُدفع لخوض الحروب الأهليّة تدافع عن وجودها بشراسة، وهي بذلك تضمن خلق أساطير شعبيّة تعيش عليها، وتستمر. لذا، يرتبط اسم الأقليّات ووجودها دائماً بأسماء شخصيّات تاريخيّة، وأبطال كان لهم دوراً محوريّاً في الحفاظ على بقاء المجموعة.

– الحفاظ على الخوف: لا تستمر الأقليّة بلا خوف. تحمل هاجس الإنقراض في كينونتها، تورّثه للأجيال المتعاقبة عبر الحمض النووي. هذا الخوف يخلق عصبيّة دائمة داخل المجموعة، بما يحفظ وجودها. ولأنّ الأقليّات تعيش خارج الوقت، خوفها أيضاً هو خارج الوقت. فهي تبدو خائفة منذ زمن بعيد، وهذا الخوف سيستمر، بغض النظر عن الظروف الحياتيّة والوجوديّة التي تمر فيه المجموعة ومحيطها الجغرافي.

– خط باصات خاص: تواجد الأقليّة في حيّز جغرافي واحد، يُساعدها على خلق خط باصات نقل خاص فيها، ينقل أعضائها من أماكن سكنهم إلى أماكن عملهم التي عادة ما تكون بعيدة نسبيّاً. في الباصات، يتشاركون أخبار الأقليّة، ومستقبلها. الباص هو كمختبر صغير متنقّل لهؤلاء. وإذا ما كانت معنويات المجموعة محبطة، يقومون بسرد البطولات التي قام بها أجدادهم، وأبائهم. وإذا ما صعد أحد “الغرباء” على الباص، يتغيّر الموضوع، ويحلّ الصمت.

– النقد الداخلي: رغم أنّ الأقليّة تحاول دائماً الظهور أمام الأقليات الاخرى وكأنّها صف واحد خلف قائدها الأبدي الذي لا يُقهر، ولكنّها عادة ما تمارس النقد الداخلي تجاه زعيمها. هذا النقد أغلبه يكون عند المساء، وعادة ما يكون همساً، لأنّ “صوت الليل بودّي”.

– جدليّة الليل: غريبة هي العلاقة بين الأقليات والليل. من ناحية، يبدو الغريب/ العدو أكبر من حجمه أثناء الليل. وهذا يُعزز الخوف الذي تتسّلح به من أجل البقاء على قيد الحياة. ومن ناحية اخرى، هو فضاء لسرد البطولات القديمة، وابتكار الأساطير الحديثة. الليل له تأثير سيكولوجي على الراوي، والمتلقّي. في الليل، الحواس شبه نائمة، والذهن قادر على امتصاص القصص المبالغ بها أكثر من النهار. لذا، على سبيل المثال، كان هتلر يقوم بخطاباته الكبيرة أثناء الليل.

– المشروب الأقلوي: ولأنّ الأقلية تعمل على قتل الوقت، فقد تلجأ بعض الأقليات إلى تبنّي مشروب خاص فيها، يُصبح جزء من هويّتها الوجوديّة. أكثر مثال يخطر على ذهني الآن، هو “المتة”. تشربه بعض الأقليات في منطقة شرق المديتراني. وبما أنّ الأقليّة تعيش خارج الوقت، تمتد جلسة المتة لساعات، وحتى عقود. وقد أصبحت “جلسة المتة” جزء من الطقوس الإجتماعية اليوميّة لهم.

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “الأقليات وسلفادور دالي”

  1. hahahahhaha
    مان، رهيب. حبيت كتير جدلية الليل والمشروب الأقلوي وخط الباصات الخاص هههههههه
    وذكرتني بالموارنة مثلاً، مشروبهم العرق البلدي، وخط باصات “بشري – الدورة”، و”كفرذبيان – جونيه” شغالين. وأخبار بطولات “قنات وعين الرمانة وزحلة والأشرفية وتل الزعتر…وطانيوس شاهين” لا تنتهي، كل واحد قوص رشق صار بطل خارق.. للأقلية.

    أعجبني

    1. صديقي جو🙂
      لذيذ انو عجبتك جدلية الليل والمشروب والباص😀

      اي بذكرو بكل شي هههه كان لازم ضيف العرق ع المشروب (بس العرق شوي شعبي، ومش محصور بطائفة محددة)..

      تحياتي

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s