المدنيّة والمخاض السوري


هاني نعيم

عندما خرجت أوّل تظاهرة عفويّة من شوارع دمشق القديمة تهتف من أجل الحريّة، لم نكن قد سمعنا بـ”جبهة النصرة” بعد. وعندما قرّر النظام البعثي أن يُجابَه أطفال درعا بالحديد والنار، كانت مدن وقرى سوريا لا تزال آمنة. وعندما خرجت التظاهرات اللاعنفيّة ضد النظام كان خطاب الشارع مدنياً، تحررياً.

تحت شعار “الشعب السوري واحد” انضوت غالبية الفئات الاجتماعيّة والإثنيّة والطائفيّة. لسبعة أشهر، قاوم السوريون بصدورهم العارية آلة القتل والتدمير البعثيّة، التي وازت (وربما سبقت؟) آلة القتل الإسرائيليّة. أثناء ذلك، أنتج النظام (وأعوانه) “الرواية الرسميّة” القائلة بأنّ التظاهرات مجرّد مؤامرة خارجيّة على سوريا، وأنّ الذين في الشارع مجرّد عصابات مسلّحة، للنظام حق في مواجهتها.

سبعة شهور، صمد خلالها السوريون في اللاعنف ضد النظام الذي جابههم بالبارود منذ اليوم الأوّل. سبعة شهور من الملاحم اليوميّة في مجابهة لاعنفيّة يشهد لها التاريخ الحديث. ورغم أنّ السوريين كانوا واعين تماماً لأهميّة اللاعنف في معركتهم، إلا أن النظام نجح في أخذهم إلى المعركة.
لن يُفيدنا اليوم أن نسأل: “ماذا لو تنحّى بشار الأسد، مثل زملائه، وأخذ السوريون فرصة بناء نظام يشبههم؟ هل كنّا سنسمع بجبهة النصرة؟”. وفرضية هذا السؤال تنسحب أيضاً على عدد القتلى وحجم الدمار الذي لحق تقريباً بكل الأرض السوريّة. عندما تعسكرت الانتفاضة، تعسكر كل شيء. مشاهد التظاهرات الاحتفاليّة المليئة بالفرح في حمص وحلب وحماة وغيرها من المحافظات السوريّة، والتي بعثت فينا أملاً وعشقاً، تبدّلت بمشاهد موت وقتل عبثي. خفت صوت الناس، وعلا صوت العسكر، رصاصهم، صدى مدافعهم.
صوت التيار المدني التحرري في سوريا، حامل قيم التنوير، العقلانيّة، التعددية والحريّة، خفت يوماً بعد يوم، ليحل محله دويّ الإقصاء والقتل. لكن هل فعلاً اندثرت المدنيّة في سوريا؟

يافطة من كفرنبل المحتلة

يافطة من كفرنبل المحتلة
ساءت الأمور إلى درجة أننا بتنا نبحث عن مقطع فيديو أو صورة تحمل قيمة عقلانية في سوريا. ورغم أنّ الأحداث الميدانيّة تزداد سوداويّة، إلا أن الرافضين للنظام الدموي ما زالوا موجودين على الأرض، ومنتشرين في شوارع سوريا وبلداتها ومدنها. قد تكون مدينة كفرنبل النموذج الأكثر تعبيراً عن هذا التيار وقيمه، إضافة إلى النموذج الذي قدّمته نساء منطقة الزبداني في مقاومتهن المنظومة السياسيّة والبطريركيّة على حد سواء.
وإلى جانب هذه النماذج التي تُحافظ على الوجه المدني للانتفاضة، خرجت مدينة سراقب، في ريف إدلب، إلى الضوء كغيرها من الأماكن التي كانت منفيّة خلف ملامح الأسد. قد يُفاجأ البعض بأنّ ثمة شوارع ما زالت تجوبها التظاهرات الرافضة للنظام، وللأصولية في الوقت نفسه. وكأنّ قدر السوريين أن يخوضوا معركتي حريّة في وقت واحد: ضد الاستبداد والتشدّد.
تعيش سوريا اليوم، على نحو دموي، ذلك المخاض المؤجل منذ خمسة عقود تقريباً. وطبعاً، فإن مجتمعاً تعرّضت بناه التحتيّة للتدمير الممنهج، وعانت تياراته ومجموعاته المدنيّة للمطاردة والنفي والموت، لا يُنتظر منه بلورة مشروع ورؤية مدنيّة بين ليلة وضحاها. وشعب يتعرّض في هذه اللحظة لصواريخ السكود، لا يُمكننا أن ننتظر منه أن يخرج بمشروع مدني نقرأ عنه أخباراً خلال تصفحنا للجريدة صباحاً. ورغم أنّ احتمال توقّف المعارك في المدى المنظور أصبح محدوداً، وكميّة العنف بلغت ذروتها، يبقى أنّ أملاً ما يزرعه فينا هؤلاء الشجعان الذين يصرّون على حمل قيم الجمال، التنوّر والتعدديّة، في مواجهة الاستبدادين الإسلامي والبعثي. في سراقب حمل مجهول لافتة كتب عليها “واحد واحد واحد. البوط العسكري واحد”. عبارة تلخّص المشهد برمّته.
يافطة من سراقب

ساءت الأمور إلى درجة أصبحنا فيها نبحث عن مقطع فيديو أو صورة تحمل قيم التنوير والعقلانيّة في سوريا. ورغم أنّ الأحداث الميدانيّة تزداد سوداويّة كل يوم، الأصوات الرافضة للنظام الدموي والأصوليّة العبثيّة مازالت هناك، منتشرة في زوايا وشوارع بلدات ومدن سوريا. وقد تكون مدينة كفرنبل أكثر نموذج يعبّر عن هذا التيار وقيمه، إضافة إلى النموذج “النسوي” الذي قدّمته نساء منطقة الزبداني في مقاومتهم للمنظومة السياسيّة والبطريركيّة على حد سواء. وإلى جانب هذه النماذج التي تُحافظ على الوجه المدني للإنتفاضة، خرجت مدينة سراقب الواقعة جنوب شرق محافظ ادلب إلى الضوء كغيرها من الأماكن التي كانت منفيّة وراء ملامح الأسد. وقد يتفاجأ البعض بأنّ بعض الشوارع في أماكن مختلفة مازالت تجوبها المظاهرات الرافضة للنظام، وفي الآن عينه تحمل كتابات ويافطات رافضة للأصوليّة، وكأنّ قدر السوريين أن يخوضوا معركة حريّتهم في وقت واحد: ضد النظام والإسلام السياسي.

نشرت في جريدة مدن الالكترونية

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “المدنيّة والمخاض السوري”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s