الموت، هاتف المنزل وغجريّة


سكون الغرفة كان ممتداً. الليل في الخارج يُغطّي المكان، أما الضباب فأطاح بكل ملامح المدينة. جفونه كادت تتلامس بعد يوم طويل. استلقى في فراشه البارد، ودون أن يُكمل قراءة الكتاب “حيونة الإنسان” للكاتب الراحل ممدوح عدوان، الذي يُلاصق وسادته، ارتخت عضلات جسده.

Source: 500 px by  Scott Baldock
Source: 500 px by Scott Baldock

حلم ليلة الأمس مازال يراوده. حلم متعب وقاس على روحه الرطبة. استفاق من ذلك الحلم بخوف. لم ينتبه إذا ما كانت صرخته حقيقيّة أم مجرّد جزء من الحلم. حلمه كان بسيطاً جداً: كان ممداً في مكان ما، والموت ينساب في جسده كانسياب جدول مياه في يوم ربيعي مكلل بالشمس. جرى الموت ببطء في شرايينه، وقبل أن يصل إلى دماغه استفاق، ليرى الظلمة من حوله.

خلال النهار بقي يسترجع ذلك الشعور. هو استرجاع للموت في يوم ضبابيّ. استرجعه في كل الحالات. أثناء غسل وجهه. احتساء قهوته. تدخين سيجارته. تناول طعامه. استرجعه وهو يكتب. وأثناء طريقه إلى المترو في طريق عودته إلى شقّته الصغيرة. لم يُخبر أحداً عن ذلك الشعور- الاختبار. كان أشبه بسر مقدّس لا يُريد مشاركته مع أحد. هو ذلك السر الذي يزرع في نفس حامله المشاعر المتناقضة. وهذا ما جرى له. هو يحمل في اللحظة ذاتها: عبء الموت، وخفّة الشعور- الاختبار اللذيذ. هذا السر أخذه إلى أماكن بعيدة. كان معلّقاً ما بين الجحيم والصحراء. هناك، علق للحظات طويلة.

ولأنّه مازال عالقاً في البرزخ. استرجع شعور الموت قبل نومه. حاول تذكّر كل لحظة من لحظات ذلك الحلم- “الكابوس”. كانت دقّات قلبه ترتفع كلّما اقترب من ملامسة ذلك الشعور. الساعة تقترب من الثالثة صباحاً. يُريد إغماض عينيه كي ينام بضعة ساعات قبل ذهابه إلى عمله. ما إن أغمضت عيناه حتّى سمع رنين ما. فتح عيناه محاولاً معرفة مصدر الرنين. لم يخطر بباله أنّ ذلك الرنين قادم من هاتف المنزل الأرضي. دهش كون ذلك الهاتف جديد، لا يستخدمه أبداً، ولا أحد يُعرف رقمه بكل الأحوال. لم يُزعج نفسه بأن يُحرّك مؤخرته ويخرج من فراشه. قد يكون أحدهم يتّصل عن طريق الخطأ. ولكن المتّصل لم يستسلم، يبدو أنّه جندي اسبرطي قديم. بقي الهاتف يرن وسط الظلمة لثلاثة دقائق. هذا المشهد كان يجري أثناء استرجاعه لشعور الموت. شعر بغرابة شديدة. هو يُحب هيتشكوك، ولكن لا يُريد لأفلامه أن تكون جزءاً من يوميّاته، على الأقل ليس في هذه الليلة تحديداً. أخيراً، حرّك عضلات مؤخرته، وقام من فراشه ليرد على الهاتف. رفع السماعة ولكن كان المتّصل قد فقد الأمل. ما إن أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها، حتّى عاد الرنين من جديد. رفع السماعة بسرعة. الموت مازال يجري في جسده.

على الضفّة الاخرى من الخط، صوت غير واضح. امرأة بصوت خمسينيّ كانت تتحدّث بلغة غريبة عليه. ليست عربيّة، انكليزيّة، أو هنديّة. لغة يسمعها لأوّل مرّة. تكلّمت المرأة وكأنّها تكمل محادثة قديمة، لم يكن للحديث مقدّمة. كانت مباشرة في كلامها، ولهجتها. حاول أن يقول لها أنّه لا يفهم ما تقوله، ولكن هذا لم يعني لها شيئاً. بقيت تتحدّث وكأنّها تُريد إيصال رسالتها غير آبهة بما إذا كان محتواها واضحاً أم لا. ما كانت تقوله يشبه إلى حد بعيد التعاويز القديمة. ربّما هي ساحرة عتيقة استطاعت الهروب من محارق القرون الغابرة. حاول إغلاق السماعة عبر اصبعه، ولكن دون جدوى. ولكي يربح بضع دقائق إضافيّة من النوم، وضع السماعة جانباً، وعاد إلى فراشه. ، بقيت مستمرّة في حديثها.

Source: 500 px by Chip Phillips
Source: 500 px by Chip Phillips

كان قادراً من فراشه أن يسمع صوتها. أصبحت تتشكّل بصريّاً في دماغه. بدأ برسم بعض من ملامحها. تذكّر ملامح المرأة الغجريّة التي شاهدها منذ زمن بعيد في حلم عابر. عيناها غارقتان في تجاعيد وجهها الموشوم بوشم صحراوي قديم، ويديها كذلك. يختبأ جزء من شعرها بوشاح أسود. نظراتها ثاقبة وكأنّها تنظر إلى تاريخ الحياوات السابقة التي عاشها.

 شعر بشعور قديم كان ينتاب الإنسان في البراري الواسعة، والكهوف الباردة. هذا الشعور اتّفق لاحقاً على إطلاق إسم عليه وهو: الذعر. وبعد أن كانت عضلات جسده مسترخية بانتظار الموت المؤقت- النوم، أصبحت متشنّجة، متقلّصة، باردة، وجوفاء. شعر بأنّ صوتها يسكن عظامه، والموت يقطن روحه. انقبض قلبه اللعين، ولم يعد يعرف ما إذا كانت دقاته متسارعة أم بطيئة. تكوّر جسده، وأصبح جنيناً متقلّصاً لا يفقه شيء. لم تراوده أيّة فكرة. كان غائباً، خارج المكان والزمان. كان هائماً في عالم عدميّ، فارغ، ولامتناهي، عندما انتابه النوم العميق.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s