دكتاتور بلا هيبة!


هاني نعيم 

1248

يواجه التونسيّون والمصريّون اليوم، الإسلام السياسي، استكمالاً للمعركة التي بدأت قبل عامين تقريباً. وبدأت هذه المعركة تأخذ أبعاداً عنفيّة، مع ظهور “تكتيكات” جديدة للاحتجاج في مصر عبر مجموعات “الكتلة السوداء” أو البلاك بلوك، ومع إغتيال الناشط اليساري شكري بلعيد أمام منزله في تونس على يد “مجهولين”، ما يعني أنّنا أمام حقبة جديدة من حقبات الظلام الديني، ومن الإنتاج الفني الناقد لهذا الظلام.

 تختلف هذه المعركة في جوهرها عن سابقاتها، فهي ليست معركة ضد الدكتاتور- الصورة، بل لها أبعاد اخرى. وأبرز ما حققته الانتفاضات هو الإطاحة بالقداسة التي كان يُحاط بها رأس السلطة. هكذا يمكن القول إن الانتفاضات العربية غيرت، في ما غيرت، صورة الدكتاتور المطبوعة في ذاكرتنا الجمعية. الصورة التي حاصرت الفضاء العام، الحيّز الشخصي، والمخيّلة، يبدو أنّها سقطت إلى غير رجعة، حتى أنها باتت مادة “دسمة” لفناني الغرافيتي.

سقوط هذه الصورة لا يعني بالضرورة دخولنا عصراً جديداً من الحريّات واحترام حقوق الإنسان. فمع وصول الإسلاميّين إلى السلطةفي المجتمعات التي أسقطت الدكتاتوريّة، نكون قد دخلنا في مواجهة جديدة مع استبداد آخر. معركة تأخرت لعقود طويلة.

ما قبل مرسي

قبل وصول ممثل “الأخوان المسلمين” محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة المصريّة، بدأ الناشطون المصريّون بحملات الغرافيتي المناهضة للأخوان الذين أطلق عليهم اسم “الأخوان الكاذبين” بعد أن نكثوا بكل الوعود التي أطلقوها عند اندلاع الثورة الشعبيّة للإطاحة بالرئيس المخلوع حسني مبارك.

انهيار القداسة عن كل من في السلطة، وعن كل ممارس للقمع، بدأ مع إسقاط مبارك، واستمرّ مع استلام العسكر للسلطة في المرحلة الانتقاليّة. وبعد أن كان “الجيش والشعب يداً واحدة”، وكانت هالة القداسة تحيط بالمجلس العسكري، انفرطت العلاقة بين الطرفين. في تلك الفترة، تصاعدت حملات الغرافيتي المناهضة للعسكر، وقد تكون عبارة “يسقط حكم العسكر” التي انتشرت على جدران مصر أكثر تعبيراً عن زوال تلك العلاقة.

ومع صعود الأخوان إلى الحكم، وكتابتهم لدستور يكرّس مرسي “دكتاتوراً” مطلق الصلاحيّات، تصاعدت في الشارع المواجهات الرافضة للطغيان باسم الدستور والأكثريّات الشعبيّة. ترافقت هذه المواجهة مع حملات غرافيتي يوميّة مناهضة للرئيس الجديد، وأظهرت بأنّ الهالة المقدّسة التي كانت تُحيط بالرئيس قد ذهبت إلى غير رجعة.

تاريخيّاً، كان أي رئيس المصري يتحوّل إلى أيقونة. فهو إمّا محبوب الجماهير، مثل جمال عبد الناصر الذي تمتّع بشعبيّة كبيرة، وكان محط احترام وتقدير كبيرين لدى الناس، أو أيقونة يكرهها الناس ولكنّهم يخافونها.

غرافيتي على جدران قصر الاتحادية في القاهرة

من هنا، تأتي محاولات الرئيس الجديد، ومن خلفه الأخوان، لرسم صورة أيقونيّة لمرسي، يخضع لها الشعب، ويهابها كما كان يهاب الرؤساء السابقين للبلاد، وذلك عبر إخلاء ميدان التحرير الذي يُشكّل احتلاله تهديداً حقيقيّاً لأي سلطة في مصر، إن كانت النظام السابق، أو العسكر، أو الحكم الإسلامي الحالي، وعبر محاكمة كلّ مَن يُحاول انتقاده، وهذا ما يجري للإعلامي باسم يوسف الذي يتعرّض للتحقيق بتهمة التقليل من هيبة الرئيس بعد أن تهكّم عليه في برنامجه التلفزيوني.

 “الأخوان المسلمون”، بذلك، لا يُريدون العودة فقط إلى ما قبل حادثة إزالة صور حسني مبارك من الساحات العامة، وإنّما العودة إلى ماض بعيد يعود إلى عشرات القرون. هي عودة إلى الجذور، حيث للحاكم قداسة يستمدّها من الله. هو أحد ظلاله على الأرض. وهُم بذلك يُحاولون تكريس دكتاتوريّة من نوع آخر. دكتاتوريّة إلهيّة.

 هذه المحاولات تفرض مواجهة محتدمة ما بين الثقافة الجديدة الرافضة لقمع السلطات بكافّة أشكالها، والثقافة القديمة التي ترتكز على القمع المغلّف بالاستقرار أو بالخطاب الديني. هذه المواجهة بدأت من اللحظة التي رسم فيها ناشطون مصريّون غرافيتي على القصر الرئاسي: صورة للرئيس وإلى جانبه عبارة “لا بدّ من القبض على محمد مرسي بتهمة قتل جيكا وأحمد نجيب وترويع أهالي دمنهور والمحلة، وبورسعيد، والبحيرة، بميليشياته”.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s