مينا: عشق في بيروت المأزومة!


بيروت ما بعد التسعينات، هي بيروت الهدنة. هي المدينة المأزومة بهويّتها، عمرانها، حركتها وناسها. الأزمات الوجوديّة التي يمر بها قاطني هذه المدينة، تنعكس على يوميّاتهم، هواجسهم، أفكارهم، وعلاقاتهم.

من هناك تأخذنا الكاتبة والصحافيّة سحر مندور، عبر عملها الروائي الجديد “مينا” إلى الباب الخلفي للمدينة، من خلال قصّة حب، وعلاقة متأرجحة ما بين مينا، إحدى نجمات السينما، وحبيبتها كرمة التي بقيت ملامحها غامضة نوعاً ما حتّى الصفحة الأخيرة من الكتاب.

mina
غلاف الرواية

تبدو “مينا” كنص روائي أكثر التصاقاً بالمكان/ المدينة من “حب بيروتي” (سحر مندور – 2010). ففي تلك الرواية لم يحضر المكان كعنصر أساسي في الرواية، بينما في “مينا”، فقد أعطت المكان/ المدينة ولهندستها المعماريّة حيّزاً أوسعاً، إذ حضرت بعض المعالم المدينيّة الأساسيّة في الرواية، مثل حديقة الصنائع (آخر بقعة خضراء في مدينة الاسمنت)، ومبنى “لونيون ناسيونال” (الوحدة الوطنيّة)، الذي يقع على مدخل أحياء رأس بيروت، والشاهد على المدينة في زمن الحرب والسلم. كما وحضر المكان أيضاً من خلال العلاقة الصاخبة ما بين مينا وشقّتها التي كلّما دخلتها تعيدها إلى زمن قديم مليء بذكريات قاسية واخرى جميلة. حضور المكان بتفاصيله أغنى النص، وأعطاه بُعداً بصريّاً/ تصويريّاً أضاف على الرواية حيويّة المدينة وأزمتها في آن معاً، وهذا ما يُعيدنا إلى الرائعة السينمائيّة الإيطالية “Cinema Paradiso” التي تذهب إلى أعماق العلاقة ما بين الإنسان والمكان بما يحمله من ذكريات واحداث.

ورغم أنّ الرواية تحدث في زمن السلم، لم تغفل مندور الحرب الأهليّة الطويلة. استعرضتها على طريقتها عبر إحدى شخصيّات الرواية التي تقوم بعمل توثيقي/ روائي لشهادات مدنيين من الحرب. في النصوص التي تناولت فيها الحرب، استخدمت مندور مهارتها الصحافيّة في إبراز وجه الحرب الأهليّة الذي ضاع في متاهات السياسة وضجيج الكراهيّة. وزّعت الكاتبة هذه الشهادات، ما بين يوميّات مينا، إذ بدت كومضات/ فلاشات سينمائيّة، وخلفيّة بصريّة للمدينة وناسها، وكأنّها بذلك تُذكّرنا بأنّ الحرب هي في الدرجة الأولى موت وآلام، كما وأنّها استطاعت نقل الهاجس اليومي للمدينة بلغّة غير متكلّفة: عودة الحرب. رغم انتهاء الحرب منذ 22 سنة، فهي تتربّص الجميع، وتلقي بظلالها على الناس، أفكارهم وعلاقاتهم. هذه الظلال كانت واضحة على علاقة مينا وكرمة التي حملت ثقل الحرب وخفّة السلم.

“مينا”، هي تجسيد للمشهد البيروتي المتأرجح ما بين السلم والحرب منذ ثماني سنوات حيث يتشارك السلم والحرب حيّزاً واحداً، وحقبة واحدة. هذا التأرجح يرسم الخط الفاصل ما بين الحب والخيانة، الأمل والخيبة، الخفّة والثقل، الحياة والموت.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s