خدر


صوت الجاز لم يكن مرتفعاً. إيقاعه حمل بهجة دافئة عند المغيب البرتقالي. لم يشاركه أحد كوب القهوة الكبير الذي اعده للتوّ. لم يكن يطمح لشيء في تلك اللحظة، ولا حتّى في اللحظة التي تلتها. العالم في الخارج يجري ببطء شديد، وجميل. الشمس تختفي على مهل خلف البحر، أما ناطحة السحاب التي تشيّد قرب شقته، والتي بدأت تحجب اشعّة الشمس عنه، فهي تشقّ طريقها إلى الوجود المزدحم بالضوضاء، كما لو أنّ الكوكب بحاجة إلى المزيد من الأبراج الشاهقة.

Source: 500px.com by Lauren R

بكل الأحوال، لم يسأله أحد فيما إذا كان يرغب بناطحة سحاب قرب منزله. هو قدر الجميع، وليس قدره وحده. يوم السبت يقترب من موته. يتذكّر السبت البيروتي، هو يومه المفضّل. فهو الذي تسبقه سهرة الجمعة الطويلة، وعادة ما يكون مفعم بالغيوم الخريفيّة، والمطر التشريني الغامض.

بينما يحتسي قهوته، تنتابه رغبة عميقة بالا يغادر الشقّة، وأن يستمتع بالجاز إلى الأبد. الخدر الذي زرعه الكحول في أنحاء رأسه وأطرافه بدأ بالتبدد. مازال غير قادراً على تذكّر كل ما حدث ليلة أمس التي تبدو الآن وكأنّها جرت منذ زمن بعيد نسبيّاً. يحاول أن يبدو مكترثاً ولكن دون جدوى. الآن، لم يعد يجدي أي شيء.

***

كم كانت الساعة عندما اقتربت منه لتسأله ما إذا كان يحمل سيجارة إضافيّة؟ ذلك التفصيل كتفاصيل اخرى لا يتذكّرها. يتذكّر أن الساعة كانت ما بين السابعة والتاسعة مساءً. ليس هذا السؤال الذي اشعل به رغبة دفينة، وبعيدة. في هذه اللحظة بعض من الرؤية تعود إلى ذهنه. الصور التي مرّت في رأسه كانت مزيجاً غريباً من الحركة والعبارات المتقطّعة. خاف من أن تختلط الصور عليه. استطاع بعد جهد أن يتذكّر لهجتها الغجريّة القاسية، والتي تحمل في طيّاتها غنج لا يُخفى على أحد.

جذبته من اللحظة الثانية. في اللحظة الأولى كان مشغولاً بتفقّد علبة سجائره ما إذا كانت تحتوي على سيجارة إضافيّة. وفي اللحظة التالية كان قد سمعها، وتأمّلها بما فيه الكفاية ليقول لها كلمات كانت كافية لتغيّر مسار رحلته ورحلتها.

للصدف الغريبة مكان في القصص الغريبة. هي وصلت للتوّ من مدينة بعيدة كانت تزورها. هو زار تلك المدينة في سنوات مضت. هي تعشق المدن الباردة بطقسها، والدافئة بحركتها. وهذا ما كان يجذبه إلى المكان. هو، بطبيعته، يُحب البرد، كمصدر وحي للذهن والروح،  ويلتصق بالدفء الذي تمنحه ملامح الناس للمكان.

***

أثناء احتسائهما للنبيذ الأحمر، نسي أين كانت وجهته قبل أن يلتقيها. لهجتها وملامحها جعلته أسير سلام داخلي كان قد افتقده لفترة طويلة. هذا الفرح الذي يغمره الآن يشبه لحد بعيد الفرح الذي يشعر به عندما يستمع إلى لويس ارمسترنغ. لم يكن يُريد لهذه اللحظة أن تنتهي.

خرجا من الحانة التي كانت أضوائها الشاحبة تضفي بعض من العشق على وجودهما معاً. الخدر تسرّب بسلاسة إلى لسانهما وعيونهما. هذا كان آخر شيء يتذكّره قبل أن يستيقظ في غرفته المبعثرة بعض الشيء. شعر بأنّه نام لفترة طويلة. يلتفت بأنحاء الشقّة لا يجد أثراً لأي كائن آخر غيره. يشعر بوخز في رأسه. خدر خفيف يحلّ بجسده.

يعود إلى دوّاماته. يبدأ بتحضير قهوته، صوت الجاز لما يكن مرتفعاً، أما الشمس فكانت تختفي على مهل وراء البحر.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “خدر”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s