عطش غريب


Source: 500px.com
by Aaron Yeoman

كل شيء بدا بطيئاً، بما في ذلك القطار الذي كان يمضي كالشهب المشتعل. أغمض عينيه قليلاً. شعر بالرطوبة تخرج من وجهه. تنهّد ببطء. أقشعرّ بدنه. رئتاه كانتا شفافتان في تلك اللحظة. كان بإمكانه أن يلحظ الهواء الخالٍ من الاوكسيجين يمر عبر جسده، ويستقر في رئتيه الصغيرتين.

صعد والده إلى المقطورة. ولأنّ القطار في مثل تلك الساعة يكون بازدحام شديد، أغلقت أبواب القطار دون أن يتمكّن هو من الصعود. بقي خارجه. قام والده بالتلويح له بأن يستقل القطار التالي ويلقاه في المحطة التي يتوجهون إليها. انطلق القطار، أما هو الذي لم يبلغ الحادية عشر من عمره بعد، فقد ألقى وجهه على الواجهة الزجاجيّة للرصيف. شعر بأنّ هذا القطار لن يكون الأخير الذي يفوته. راودته فكرة غريبة نسبة لعمره. كان يرى نفسه الأخير في كل شيء.

نظر إلى يديه، وقرّبهما من بعضهما البعض. بدتا ثقيلتان، وبأنّه ليس قادراً على حملهما. هكذا كان يتخيّل الحياة التي هو بصددها. كان يعرف أنّها لن تكون كما يُشاهدها على التلفاز، وأنّه لن يحصل على كل ما يُريد. الحياة التي تنتظره شاقّة. خاف من أن يُصبح مثل روّاد القطار الذين عادة ما يُراقبهم أثناء عودته إلى المنزل مع والده. فُهم من النادر أن يبتسموا، دائمو الإنشغال، ومن التعب المفرط يغفون على مقاعدهم غير آبهين بكل الكون.

نظر إلى الساعة التي تشير إلى الوقت المتبقّي للقطار التالي. هي خمسة دقائق اخرى سيمضيها في انتظار القطار. جلس على المقعد، دون أن يتلفّت إلى يمينه أو يساره، دون أن يُحدّق بشيء. في الواقع، لم يكن هناك، بل كان في عالم آخر مليء بالعتمة.

كان الظلام يُخيّم على رؤيته. فجأة أحسّ بأنّه بالغ، وكهل. فاقد القدرة على أيّ شيء. مستسلماً لقدره البائس. تذكّر كم أنّه ضعيف، وهزيل أمام قساوة الحياة التي لا ترحم. خفق قلبه. تنفّس ببطء. حبس الهواء في رئتيه بانتظار معجزة ما، معجزة أن يبقى طفلاً للأبد. أو أن يعود به الزمن إلى الوراء. كان يُريد أن يكون عمره سنتان. كان يُريد الهروب من المدرسة، وأن لا يرى الطفل المتنمّر الذي يبلغ عمره ثلاثة عشرة عاماً. ذلك المتنمّر كان يسخر منه دائماً، ويزرع الخوف فيه لأسباب لا يعرفها. وعندما طلب من أهله أن يغيّروا مدرسته، لم يقتنعوا بكل الأسباب التي شرحها لهُم، وطبعاً لم يُصراحهم بحقيقة أن طفلاً آخراً يُخيفه، ويسخر منه. هكذا، شكّلت المدرسة له الخوف الأول. هو الخوف الذي صارعه لفترة طويلة، قبل أن يتقبّله، ويتعايش معه.

عندما بدأ يتعايش مع فكرة أن الخوف يسكن مفاصل عظامه كان يشعر أنّ ذلك يمنع جسده من أن يكبر. كان يُدرك أن مستقبله سيكون داكناً، مفعماً بالخيبات، والانتكاسات. كان يتمنى بأن يبقى إلى جانب امّه التي كانت تمنحه عالماً خالياً من الخوف. ولكنّه في أعماق نفسه كان يعرف أنّ ذلك سينتهي يوماً ما، وبأنّه سيواجه العالم وحده، بيدين عاريتين، وبصدرٍ مليء بالفزع.

دقيقة ليصل القطار. ينتابه عطش غريب. يتذكّر أنّ والده سيلقاه في المحطة القادمة. يشعر بأنّه عاد للتوّ من ذلك العالم الموحش الذي ينمو في أحشائه. الآن، هو طفلاً من جديد. اهتمامه أصبح مركّزاً على صعود المقطورة بأي ثمن. رغبته بمغادرة محطة القطار، والعودة إلى عالمه كانت أعمق من أي بحر كان قد شاهده من قبل.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “عطش غريب”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s