راديكال بيروت: أي إنسان نريد؟


شعار راديكال بيروت، من تصميم الناشط والمدون حرمون حميّة

هاني نعيم

 “راديكال بيروت”، ليست وليدة لحظة واحدة. أحاديث لم تنتهي، ونقاشات تعود إلى أعوام مضت أفضت إلى هذه المبادرة التي أطلقناها في الأمس القريب.

ما نعيشه من أزمات يوميّة ليس أزمات منفصلة عن بعضها البعض. هي ليست أزمات مرتبطة بمجتمعات محددة، أو بأثنيّات معيّنة. هي أزمة واحدة تربط العالم باجمعه.

هذه الأزمات تبدأ بالبطريركيّة الذكوريّة، وتنتهي بالأزمات البيئيّة الكارثيّة، مروراً بالتضييق على الحريّات، صعود التطرف الديني، واستشراس الشركات والحكومات ضد شعوب الأرض. هذه الأزمات هي نتيجة المنظومة العالميّة التي نعيش. هذه المنظومة التي سخّرت الإنسان والأرض لأجل النمو والربح.

لم يعد العمل الجزئي، والنشاط الآني كافياً لمواجهة هذه الأزمات الشاملة. من هنا جاء التفكير بضرورة إيجاد حل جذري يحمل رؤية شاملة، مترابطة، ولديها القدرة على مواجهة المنظومة العالميّة. حل المشكلة يكون بمواجهة الأساس وليس الفرع.

مللنا من النشاط الجزئي، والأعمال التي لا تؤدّي إلى أي مكان.  وما نعيشه منذ زمن طويل ليس سوى تأكيد على أنّ ازماتنا بنيويّة، عميقة، وعالميّة. والمواجهة يجب أن تكون على هذا المستوى. نحن بحاجة إلى رؤية جذريّة، خارجة عن الأطر التي سبق وعرفناها، تستوحي من تاريخ الذين يشبهوننا، وتستلهم من المستقبل الذي نريده أن يشبهنا.

استطاع التلفاز، اداة الأنظمة والشركات ورجال الدين والأعمال، أن يوهمنا بانّه ليس لدينا القدرة على تغيير واقعنا سوى عبر المزيد من الاستهلاك، وعبر شراء أشياء لسنا بحاجة إليها. ولكن ما لا يُخبرنا إيّاه أنّه إذا ما صممنا على ذلك، نستطيع خلق واقع أفضل.

من أين نبدأ؟

هذا السؤال كان دائم الحضور في أذهاننا أثناء النقاشات الطويلة، خصوصاً في ظل  الظروف التي يمر بها مجتمع الناشطين في بيروت. فهو مجتمع منهك، ومتعَب، ولظروف او اخرى لم يستطع أن يبلور رؤيته الخاصة التي يعمل من خلالها، وهذا ما ادّى إلى سيطرة الجزئيّة على أعمال المبادرات التي يطلقها الناشطون والناشطات.

ولكن في ظل الأزمات البنيويّة التي نعاني منها لم يعد كافياً هكذا نوع من الأعمال. من هنا برزت الحاجة إلى خلق مبادرة تحمل خطاباً وطريقة عمل أكثر جذريّة. ونقصد بذلك أن يتوجّه العمل إلى جذور المشكلة، ولا يقف عند معالجة نتائجها. العمل الذي يرتكز على سؤال جوهري: أي إنسان نريد؟ أي حياة نريد؟

هذه الحاجة لا تقتصر فقط على لبنان، فهي تشمل منطقة المتوسط، خصوصاً الجانب العربي منها. فهذه المنطقة من العالم، كغيرها من المناطق الاخرى، بحاجة إلى حركات أكثر راديكاليّة، تحمل فكراً ورؤى خارج الإطار الذي كبّل حركتنا، وطريقة تفكيرنا لعقود طويلة. ويبدو، بعد إندلاع الحركات الاحتجاجيّة في العالم العربي، أن الجو أصبح أكثر جهوزيّة لاحتضان حركات من هذا النوع، رغم خروج المارد الديني من القمقم، ورغم الانتكاسات التي نحن بصددها. هذه الظروف ذاتها تجعل من المجتمعات أكثر قابليّة لاحتضان حركات جذريّة تكون قادرة على مواجهة الأزمات التي تمر بها.

“راديكال بيروت” تحمل اسم المدينة التي انطلقت منها، وذلك تكريماً للمدينة التي حضنت قضايا الحريّات، وتُنتهك يوميّاً من قبل قوى الأمر الواقع والشركات الكبرى. وأيضاً، تأكيداً على دور بيروت التي تعتبر مختبر حقيقي للأفكار والقضايا. وهذا لا يعني أبداً أنّ “راديكال بيروت” تحمل أيّة جنسيّة، فهي مبادرة ترى المشكلة عالميّة، وتواجهها محليّاً، على أمل أن تكون هي نموذج يتحذى به في المدن والبلدات المجاورة لدول المتوسط وغيرها.

طبعاً، “راديكال بيروت” ليست الخطوة الأخيرة. هي الخطوة الأولى في طريق طويلة وشاقة. هي اللبنة الأولى التي ستكون مختبراً ومكاناً مفتوحاً لجميع الذين يعتقدون أنّهم معنيّون ببناء جو أكثر جذريّة، وأكثر متانة من أجل مقاومة المنظومة التي حوّلتنا إلى مجرّد أفراد باردين، مشتتين، ويعانون من العزلة.

نحن لسنا مجرّد أنركيين. نحن لسنا مجرّد بيئيين. نحن لسنا مجرّد روحيين. نحن لسنا مجرّد نسويين. نحن لسنا مجرّد مدافعين عن الحريّات بكل أشكالها. نحن لسنا مجرّد رافضين لثقافة الاستهلاك والشركات. نحن كل هؤلاء، جئنا من أكثر الأماكن ظلمة، نحمل المطارق والإصرار، لنجعل العالم أكثر إنسانيّة، بعد أن جرّد من الدفء والحريّة.

 

***

كما يمكنكم قراءة المقالات التي كتبها الصديق طوني صغبيني حول راديكال بيروت، منطلقاتها، واهدافها:

نحو العمل: لماذا راديكال بيروت؟ (1\3)

نحو العمل: لماذا راديكال بيروت (2\3)

نحو العمل: لماذا راديكال بيروت (3\3)

صفحة راديكال بيروت على الفايسبوك:

Radical Beirut

تابعوا راديكال بيروت على تويتر:

@RadicalBeirut

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “راديكال بيروت: أي إنسان نريد؟”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s