مشهد من فيلم فرنسي


كانت حياته في هذه اللحظة تبدو وكأنّها مشهد من فيلم فرنسي. هو مُمدّد بجسده العاري على السرير، يُحدّق باللاشيء، وينفث دخان سيجارته ببطء وهدوء. هي كانت تجوب الغرفة الضيّقة، أو هكذا كانت تبدو له، بحثاً عن قميصها الزهري.

لم يكن يعلم أنّ كل ما بناه في ذهنه سيذهب أدراج الرياح في تلك الليلة الباردة. ما زادها برداً أنّ فتاته كانت راحلة. شعوره بأنّها ذاهبة إلى الأبد كان حقيقيّاً. لم يُحرّك ساكناً. بقي مُجمّداً في سريرهما. وخز ما كان يُراوده. كان يُحاول أن يكتشف ذلك الإحساس الغريب الذي كان يتوزّع معدته، وأعماقه، وهو يُحدّق إلى جسدها، ويداها. كان لديه الكثير ليقوله. كان يُود لو أنّها تبقى إلى جانبه أكثر. ولكنّه يُريد أن يكون واقعيّاً في لحظات كهذه. وهذا ما يجعل من حياته حقيقة.

Source: 500px – by Roderique Arisiaman

من اللحظة التي نهضت فيها من السرير شعر بالانزواء، والخواء في روحه. كانت تبدو له أنّها أصبحت بعيدة، وفي عالم آخر رغم أنّ المسافة التي تفصله عنها لا تتجاوز المتر ونصف. شعر فجأة بجاذبيّة الأرض، ثقلاً ما استوطن أنامله. هذه ليست المرّة الأولى التي يُصاب بها بثقل من هذا النوع. تأمّل السلحفاة الخشبيّة التي يضعها على أحد رفوف غرفته. بدت السلحفاة مخلوقاً جميلاً وواقعيّاً في آن. هي ثقيلة، بطيئة، كما وتحمل بيتها في جسدها، الذي يحميها من البرد، وترتاح فيه عندما تُريد. “ماذا لو كانت هذه السلحفاة انا؟”. خطرت بباله هذه الفكرة. كان يُفكّر بالسيناريوهات. كان يتخيّل أن هذه  اللحظات ستكون أقل وطأة، وأكثر حرارة، وأنّ شعور الوحدة لن يُراوده. لم يكن يريد أيّ شيء في تلك اللحظة، سوى أن يحصل على بعض من الدفء الذي تلاشى عند نهوضها الأبدي من السرير.

بدأ الاشتياق يلتهمه. أحسّ بأنّه سيشتاق إليها كثيراً. ذلك كان يزيد من الشعور الغريب الذي يستحوذ على معدته. كانت لديه رغبة بأن يحضنها من خصرها، ويعيدها إلى السرير، ليتنشّقها مجدداً، ليتحسس خديها، عنقها، وظهرها. في هذه الأثناء، شهوته كانت روحانيّة، أكثر من أنّها مجرّد غريزة جميلة تنتابه. لم يكن قادراً على مواجهة هذه الحقيقة بأنّ جسدها سيهجره، ولن يعود إليه. أحسّ بشيء ما علق في حلقه. ولم يقم بشيء. بقي ممدداً في السرير كجندي مهزوم.

ورغم أن هواجس الوحدة بدأت تأخذه إلى زوايا مظلمة من الروح، تعجّب من أنّ ذهنه كان صافياً. تنفّس ما تبقى من هواء في الغرفة. بعد أن حبس الهواء في داخله، شعر برئتاه تكبران. اطمئنّ قليلاً. ارتعشت شفتاه. كان الهواء يُخفف من ثقل الوقت. أخذ جرعة اخرى منه، ولكن هذه المرّة حبسه لوقت أطول. لعبة تنفّس الهواء كانت جسر بينه وبين العالم الخارجي. تراءى له بأنّ كل نفس يأخذه يختفي العالم القديم، ومع كل زفرة يُطلقها عالماً آخراً يتشكّل. تفاجأ بأنّ هذه الفكرة لم ترد في رأسه من قبل، رغم أنّها تبدو بسيطة جداً. عندها أدرك أنّ الاكتشافات البسيطة يُدركها الإنسان في لحظات كهذه. القلق الذي راوده منذ دقائق بدأ يحّل مكانه تعب لحظوي. اجتاحته رغبة بالنوم. لم يعد يبحث عن دفء يُغطّي به جسده. النوم كان وجهته، بعد أن بدا العالم وكأنّه مكانٌ قابلٌ للحياة. تمنّى لو أنّها تنتهي من ارتداء ملابسها بسرعة أكبر، بعد أن كانت رغبته أن تبقى إلى جانبه. كان يُريد أن يُغمض عينيه، ولا يحلم بشيء. هو بحاجة إلى استراحة من كل شيء. كان يعتقد أنّه بعد الاستيقاظ من غفوة كهذه، سيكون العالم مختلفاً، وأقل عبئاً. هذا العالم الذي كان يتمنّى أن يلتقيه بعد أن تغادر هي الغرفة، وينام بسلام.

Source: 500px – by Karezoid Michal Karcz

ابتسم لها وهي تنظر إليه من خلال المرآة التي تقف أمامها الآن. بادلته الابتسامة، وجرى ما لم يعد يُريده. اقتربت منه. حضنت يداه، وقبّلته قبلة قديمة. همست له بأنّها لن تُغادر المكان، وستبقى معه. هذه كانت رغبته قبل دقائق، ولكن ليس الآن في هذه اللحظة. انقلب كل ما كان قد شرع في بنائه منذ دقائق. ها هو العالم القديم يعود إليه، وهو كان قد خرج منه للتوّ. رغبته كانت أن يبدأ عالمه الجديد الذي بدأ يتشكّل منذ برهة. الآن أصبحت هي الثقل. نظر إليها بعينين باردتين. لم ينطق بشيء. كان لديه الكثير ليقوله. كان يُود لو أنّها تُغادره إلى الأبد. ولكنّه يُريد أن يكون واقعيّاً في لحظات كهذه. وهذا ما يجعل من حياته حقيقة، وليس مجرّد مشهد من فيلم فرنسي.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “مشهد من فيلم فرنسي”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s