هروب


كانت تبدو مستسلمة لكل شيء وهي جالسة قرب زوجها في تلك الحانة القديمة. يتشاركان الطاولة مع رجل آخر، زميل زوجها في العمل وتجاوره أيضاً زوجته.

في حين كان زوجها مستغرقاً في حديثه عن العمل، كانت هي تستغرق في ذاتها. لم تكن معنيّة بكل ما يجري حولها. كتّفت يديها الصغيرتان، ووضعت ملامحها جانباً. هكذا أصبح وجهها عارياً من الإحساس. كان وجهاً اجتماعيّاً ليس إلاّ.

Source: 500px – by Marina Ćorić

لم تتوانى عن إشعار العالم أجمعه بأنّها ملّت أثناء وجودها في هذه الحانة. كان الجميع يُشعرها بالملل. زوجها وأحاديثه التافهة. زميله الذي يهزّ رأسه، وضحكة زوجته المصطنعة. الزمن بدا لها دائريّاً وفجّاً. كان يقتلها بلطفٍ شديد. وكأنّه يدسّ السمّ في كأس النبيذ الذي تحتسيه.

كانت تشعر وكأنّها تُعاقب على اثام لم ترتكبها. وهذا ما كان يُزعجها. لوهلة، فكرت. “هل أعاقب لاثام ارتكبتها في حياة سابقة؟”. رددت الفكرة في رأسها، ولكن لم تصل إلى إجابة. كانت مُقتنعة أنّ الحياة ليست عادلة دائماً. هذا ما علّمتها إيّاه والدتها التي كانت ملجأها الوحيد. فجأة، شعرت بأنّها يتيمة، رغم أنّها تُشارف على نهاية عقدها الثاني. أحسّت أنّ والدتها التي توفيت منذ سنوات طويلة قد توفيت للتوّ. هذا الشعور كان يأخذها إلى عالم مظلم في داخلها.  عالم لم تعرفه من قبل. ولكنّ كل ما يجري حولها يأخذها إلى هناك.

شعرت بالبرد رغم أنّ حرارة الحانة معتدلة. أفردت على كتفيها الوشاح الذي كان يلفّ عنقها. أصبح رداء يُغطّي بردها. استطاعت أن تضع جانباً شعور اليتم. الوشاح كان كافياً ليُعيد إليها بعض من توازنها. ولكن ذلك لم يقودها بعيداً عن العالم المظلم الذي بدأ يتوسّع في أحشائها. كان كوحشاً نادراً يبتلع ما تبقّى من ضوء في خيالها.

 كان زوجها مستغرقاً في توزيع الملل على الجميع. خطر لها أن تُسكته. أن تجعله يصمت إلى الأبد. ولكنّها لا تُعرف ما هي الخطوة التالية بعد أن تقوم بذلك. خافت من المجهول الذي ينتظرها إذا ما قامت بذلك. شعرت بأنّها حمقاء. وقد ترافق ذلك مع نعس ظاهر على جفنيها الصغيرين. لم تكبت ذلك في داخلها. لم تكترث إذا ما لُحظ نعسها. كل ما تمنته أن ترتمي في حضن الفراش، وتغفو كما كانت تغفو عندما كانت في السابعة من عمرها. تتذكّر طفولتها، وتجتاحها رغبة لا يُمكن أن تتحقق بعد اليوم. رغبة أن تعود طفلة يرعاها والداها اللذان يُحباها كثيراً. تنظر إلى تلك الأيّام، وتفتقدها كطفل يفتقد لعبته الجديدة.

زوجها مازال مستمرّاً في حديثه. الآن يتحدّث عن سيّارته الجديدة، والمكلفة. زميله وزوجته أبديا اعجابهما فيها. أمّا هي، بقيت يداها متشابكتان. لم تُعلّق. لم تنطق. لم يخرج منها أي صوت. كانت تُريد لهذه الليلة أن تنتهي. ما كان يُفزعها هو أن تستمر هذه الليلة إلى الأبد. تقلّصت نبضات قلبها إلى النصف. أصبح بطيئاً كالزمن تماماً. كانت قادرة على سماع نبضاتها رغم الضجيج الذي يُحيط بها. ولأنّها كانت في عالم آخر، بعيد ومظلم، كان الصوت واضحاً.

في الواقع، هي لم تكن كثيرة الخوف من ذلك العالم المظلم الذي بدأ يتحوّل إلى واقع تعيشه. كانت تنتظر من هناك صوت ما. كانت تنتظر نداءً ما يقول لها ما يجب أن تقوم به. هل تخرج الآن من الحانة دون أن تلتفت إلى الوراء؟  هل تختفي نهائيّاً؟

لم يعد أي شيء يربطها بكل ما تعيشه اليوم بعد مرور عام ونصف على زواجها بذلك الرجل الذي أصبح مجهولاً بالنسبة لها. انتهى كل شيء. وما يُساعدها على اتّخاذ قرار كهذا هو أنّ لا أطفال يقيّدون أيّ قرار تتّخذه لتبقى، وتُكمل حياتها مع هذا الرجل المجهول. ولكن قرار كهذا، يلزمه جرأة غير اعتياديّة. يلزمه إنسان محطّم. وهذا ما هي عليه اليوم.

أحضرت غريزتها المسرحيّة. حاولت أن تتخيّل المشهد. أن تنتفض من مقعدها، وأن تنظر في عيون الجالسين على الطاولة. وأن تمضي، ببرود، في طريقها نحو المجهول. تخيّلت مشهداً صامتاً. كانت تشعر بأنّ الصمت أكثر تأثيراً في مواقف كهذه. ولكنّها لم تقُم بكل ذلك.

Source: 500px – by Zuzka Simova

أناملها الصغيرة كانت توخزها. هو برد قارس يجتاح مفاصلها. لم تستطع أن تمنع شفتاها من التنهّد. الحانة تحوّلت إلى جبل جليد ميّت. أصبحت تستطيع الشعور بالضوضاء حولها. لم يكن هذا ما توقّتعه عندما نطقت بـ”نعم” أمام المذبح الآلهي. إنّها لكلمة مُكلفة. نظرت إلى زوجها الذي رمقها بابتسامة خفيفة. حاولت أن تكون إجتماعيّة وتبادله الابتسامة. ولكنّها لم تستطع. وجهها كان أزرق كالسماء. اكتشفت للتوّ كم أنّها تكرهه. تمنّت لو أن يكتشف ذلك على طريقته، خصوصاً وأنّها من النادر أن تقول ما يُراودها. كانت تعتقد أنّ ذلك الاكتشاف يعني حريّتها من جديد. حريّة أن تُشارك ليلة السبت مع أناس تُحّبهم، ويُشاركونها ذات الاهتمامات. ولكن زوجها الذي أصبح بعيداً عنها لن يكتشف ذلك. وقد لن يهتم إذا ما اكتشف ذلك. بفطرتها يُمكنها أن تعرف ذلك.

لم تَعد تحتمل الساعات الطويلة التي تقضيها بمفردها في البيت. عام ونصف من العزلة كانت كافية لأن يسكنها شعور عميق بأنّها أصبحت مجرّد شبح مُسن. أثناء ذلك أفكار غريبة كانت تنمو في دواخلها. أصبحت مُثقلة بهاجس الموت. كانت تخاف أن تقع أثناء استحمامها، وتنزف حتّى الموت دون أن يشعر بها أحد. وأحياناً كانت تخاف أن تنسى إغلاق الفرن، وأن تختنق  بالغاز. هذه الهواجس تُحاصرها في المنزل. الأرق يُحاوط جسدها النحيف. ولأنّها ليست ممن لديهنّ الجرأة على اتّخاذ قرارات المواجهة. كانت تبحث عن مخرج. كانت تُريد الهروب عبر البقاء حتى النهاية.

منذ سنة بدأت فكرة إنجاب طفل تراودها بشدّة. كانت تشعر بأنّ الطفل سيُغيّر حياتها إلى الأبد. ستمنحه وقتها، طاقتها، حبّها، وكل ما تملكه. كانت تُريد ذلك من أعماقها. الطفل سيُبعد عنها شبح العزلة. سيملأ الخواء الذي يعتصر روحها. كانت تُريد أن تكون مثل امّها تماماً. أرادت أن تكون ملجأ الطفل بعد أن هجرها زوجها الذي مازالت تشاركه السقف. لم تعد تريد تأجيل إنجاب الطفل. ورغم أنّها تعرف مسبقاً أنّ العالم الذي سيعيش فيه طفلها ليس عالماً جميلاً، كانت تُريده أن يأتي. هي لا تقوم بمعاقبة أحد. هي فقط لا تؤمن بأنّ الحياة عادلة.

تُعاود النظر إلى ساعتها. الضجيج مازال يأخذ حيّزه من المكان. زوجها وأصحابه مازالوا يجترّون التفاهات. عقرب الساعة بدا وكأنّه ميّت، لا يتحرّك. الساعة تُشير إلى الحادية والنصف. أما هي، فقد كانت غير آبهة لكل ما يجري حولها. كانت فقط تُفكّر بالطفل الذي سيأتي بعد تسعة أشهر من هذه الليلة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “هروب”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s