القطار الذي لن يأتي!


انتظار القطار كان كانتظار غودو. كاد أن يفقد أعصابه وهو يوزّع نظره ما بين ساعة القطار والفتاة التي تُجاوره المقعد الحديديّ في المحطّة. ولكنّه بقي بارداً، كالشمس. كان يقتل الوقت بالإنتباه إلى التفاصيل حوله. الغُبار في الخارج يلتهم المشهد. الصحراء تبقى صحراء، رغم الأبنية الضخمة والأبراج العالية. الشرطي، الذي يقترب من أواخر عقده الثاني، يُحاول فرض وهرته على ركّاب القطار. وجهه خالٍ من الملامح والحياة. أشبه بغيمة شتويّة كسولة لا تُريد أن تمطر. يضع يده اليمنى على خصره كي لا يقع على الأرض، والاخرى قريبة من هراوته التي يخوّله القانون حملها بشكل بارز أمام الجميع. هو الذي يحمل هراوة، ولن يجرؤ أحد على الاعتراض. هذا سبب آخر للزهوّ الذي يملأ مساماته.

Source: 500px.com by Steve Meddle

نسي الشرطي سبب دخوله هذا العالم، عالم الشرطة والأمن. بالاحرى، لم يكن هناك سبب لكل ما يعيشه اليوم. والده قرّر إدخاله إلى الشرطة. وهذا ما جرى. لم يُقاوم، ولم يعترض. وحتّى إن اعترض فلا خطط اخرى، أو اقتراحات في جعبته لتكون بديله. لا رؤية له عن مستقبله. لم يكن لديه رأي بما يجري. من بعيد كان يُراقب حياته. وفي سرّه لم يكن قلقاً، كان يُعرف أنّ أحداً آخراً سيأخذ عنه القرار، عند كل منعطف يواجهه. وهذا ما كان.

والده لا يأخذ القرارات عنه لأسباب سلطويّة. وهو أبعد ما يكون عن ذلك. كان يُريد لابنه أن يكون كما يُريد. ولكنّ ابنه كان دائماً كذلك. بلا قرار، ويميل بفطرته إلى الخضوع للقرارات، وتنفيذها. فهو مجرّد شخصٍ تنتفي منه ملامح القيادة. ولأنّ العالم في الخارج مليء بالشر، فضّل أن يكون ابنه شرطيّاً يُنفّذ قرارات الضباط الأعلى منه على أن يكون قاتلاً مأجوراً يعمل لإحدى المافيات الروسيّة، أو السلافيّة الذائعة الصيت في المدينة.

Source: 500px.com by Pichaya Viwatrujirapong

عدم امتلاكه لحدٍ أدنى من الأحلام، أدخله الشرطة بعد تخرّجه من المدرسة مباشرة، وهذا ما يُعرقل ارتقائه في عمله، ويُبقيه مجرّد شرطي أمن لمحطة القطار. ورغم أنّه خالٍ من الطموحات، يراوده قلق بين حين وآخر. قلق غريب، ومختلف عن كل ما مرّ به من قبل. كان يخاف أن يعلق في محطّة القطار إلى الأبد، وأن يعبر القطار الأخير دون أن يستقلّه. كان بلا وجهة. المئات أمامه يرحلون كل يوم إلى وجهتهم، أما فهو فيبقى عالقاً هنا، واقفاً على رصيف المحطّة، بوجه يسكنه القلق الوجودي. هذه الفكرة استولت عليه بعد أشهر طويلة من التحديق بكل شيء داخل المحطّة، حتّى أنّه حفظ تقريباً ملامح جميع من يرتادون القطار. كان يشعر وكأنّه يمشي على مكنة الركض في النادي الرياضي (الجيم). كان يركض بعيداً، ولكنّه كان يبقى مكانه. خائباً، وبليداً.

ولأنّ محطات القطار آمنة نسبيّاً، فقد كان لديه الوقت الكافي لتأمّل مستقبله. كان يتخيّل نفسه عجوزاً، هزيلاً ذو شعراً رماديّاً، يقف منتظراً القطار دون أن يستقلّه. لم يُشارك هذا القلق مع أحد من أصدقائه أو زملائه المعدودين على الأصابع. كان يخاف من أن يسخروا منه. كان لديه شعور عميق بأنّه سيموت عند رصيف القطار، ولن يُلاحظ أحد ذلك.

هو لا يأخذ القرارات. القدر حدّد مسار حياته. لن يرسم طريقاً آخراً قد تكون أكثر قلقاً. سيعيش قدره المشؤوم حتى النهاية.

Source: 500px.com by Rakib Hasan Sumon

على بعد خطوات منه، رجل في منتصف خمسينيّاته بملامح سمراء، وقامة قصيرة يُحدّق بالفراغ وينتظر القطار كأي أحد آخر يقف على رصيف المحطّة. هو عاديّاً بكل شيء. طريقة استلقائه على العامود لا استثناء فيها. وكأنّه يتعمّد الظهور بأنّه مجرّد رقم آخر من أرقام المكان. هو كالذي يرفض تهمة دون أن توجّه إليه. يُريد فقط أن يصل إلى وجهته دون أن يعوقه شيء. الخيبات التي عاشها في عشرينيّاته كانت كافية لتلقيه جانباً. لم يعُد يريد شيئاً. كل ما كان يُريده حقّاً في تلك اللحظة، أن يركب القطار، ويعود إلى غرفته، ليُمارس الغفوة بعد نهار شاق. عمره كان ينقص في تلك المحطّة، وهو لا يرغب بذلك.

رغم أنّه كغيره من أبناء جيله عشق عبد الناصر، وشارك في مظاهرات القاهرة تأييداً له، ولكنّه  احتفظ بمساحته الخاصة، وحافظ على المسافة بينه وبين القائد. كان يخاف من التماهي، ومن تبعات ذلك على حياته اليوميّة. لم يكن يُريد لملامحه أن تختفي وراء ملامح الأيقونة التي تقود البلاد. القلق من الخيبات كان هاجسه. هذه المسافة لم تحميه من الخيبة التي أصابت أبناء جيله. لم يحتمل الهزائم المتتالية. في بدايات ثلاثينيّاته، غادر مدينته، ليعمل في أحد المطاعم التي تقدّم الأكل المصري في مدينة نيويورك.

تغيّرت حياته كثيراً في هذه المدينة. كان على تماس مع كل الثقافات، وهو الذي تخيّل أنّه سيموت في القاهرة دون أن تكون لديه الفرصة من الخروج منها. بالاحرى، لم تكن لديه الرغبة بالخروج من مدينته. الأيديولوجيا التي حملها بفطرته أوهمته بأنّ الجنّة لن تكون خارج مكانه، ولكن تراكم الهزائم، دفعه لترك المكان ورائه.

لم يعمل لفترة طويلة في المطعم. بعد سبعة أشهر، تعرّف على أحد روّاد المطعم، وهو عضو في فرقة موسيقيّة تلعب الجاز في حانات نيويورك. ولأنّه أعجب بشخصيّته المحببة، اقترح عليه أن يعمل كمساعد لوجستي للفرقة. وهذا ما جرى.

ترك المطعم، وأصبح مرافقاً دائماً للفرقة، يذهب معهم أينما ذهبوا. ويستمتع بامتياز الاستماع إلى موسيقى الجاز عن قرب. طبعاً، هذا النوع من الموسيقى كان جديداً عليه، ولكنّه سرعان ما عشق هذه الموسيقى المتمرّدة. لقد كانت كالخلاص بالنسبة له.

الآن، وهو واقفاً في المحطة، منتظراً القطار، لم يَعُد يذكر ما الذي قاده إلى هذه المدينة الرابضة فوق الكثبان المتحرّكة. كل ما يتذكّره أنّ قدره انتهى به عاملاً يدويّاً في أحد الورش. لوهلة يشعر بأنّه علق هنا. ولكن الشعور الذي يخافه، ويُشكّل له كابوساً مزعجاً، أنّه أصبح غريباً عن القاهرة، ولا يستطيع العودة إليها، ليُكمل حياته هناك، إذ انقطعت جميع صلاته معها، بعد أن توفيّ والداه، ولم يؤسس لعائلة تكون حضناً له إذا ما قرر العودة. وحيث هو اليوم أيضاً غريباً. لا صلة له مع هذا المكان، ومهما حاول الالتصاق فيه، فهو سيبقى غريباً.  الغربة تكبر في أحشائه، تعتصره، وتستحوذ على شرايين دماغه. أحياناً، قبل خلوده إلى النوم، يشعر بأنّه على مشارف الإنهيار. ينظر من نافذته الصغيرة، ويرى العالم ضئيلاً، وموحشاً. يختنق وهو يُحاول إشعال سيجارته. يستمع إلى أغنية لـ”نينا سيمون” يُخمد بها شعور الوحدة. يُحدّق في سقف الغرفة إلى أن يموت مؤقّتاً.

هو لا يؤمن بالنهايات المقررة سلفاً. ولكنّه يُدرك بفطرته أنّ هذه المدينة هي وجهته الأخيرة. منذ اللحظة الأولى لوصوله إليها، عرف أنّه وصل إلى نقطة اللاعودة. لم يكن يملك خيارات كثيرة لتغيير مسار حياته. هي الخيبات رفيقه الدائم، وقد اقتنع بذلك لحظة مغادرته القاهرة، ولكنّه لم يخطر بباله أنّه لن يعود إليها إلاّ كجثّة زرقاء.

في هذه اللحظة، مازال يُحدّق بالفراغ، وذهنه في مكانٍ آخر. لا يُريد سوى أن يكون عاديّاً. مضى على انتظاره أربعة دقائق. حياته ستنقص دقيقة أخرى أثناء الإنتظار الطويل.

على المقعد الحديدي، مازالت الفتاة جالسة متصنّعة الهدوء. ولكن حركة يديها كانت تُشير إلى أنّ التوتّر يقبض على أنفاسها، وحركة عينيها. كانت تبحث عن مخرج لكل ما بدأت تُعانيه منذ تخرّجها من الجامعة. كل ما كانت قد رسمته في رأسها منذ بلوغها السبعة عشر عاماً بدا لها وكأنّه مملكة من سراب.

Source: 500px.com by Katerina SOKOVA

لم تكن تعلم أنّ ثقافتها الباكستانيّة ستكون يوماً ما لعنة لها. ولم يخطر ببالها أنّ الإنفصال بين الهند وباكستان سيأخذ حيّزاً من حياتها بعد مرور أكثر من نصف قرن عليه. لم يكن ذلك وارداً، خصوصاً وأنّها ولدت هنا، ولكن ما لم يكن في حسبانها أنّ الثقافات لديها القدرة على العيش خارج مكانها. هي كانت تُعرف ذلك، فهي ولدت وعاشت كباكستانيّة، ولكنّها كانت تعتبر أنّ الأمور ستتغيّر مع الوقت، ولكن جرت الأمور عكس توقعاتها.

اكتشاف أهلها مؤخّراً لعلاقتها مع زميلها الهندي التي بدأت منذ أيّام الجامعة، حوّل حياتها إلى جحيم متوتّر. التقاليد الموروثة لا تُشجّع على علاقات حيث تختار الفتاة لشريكها، عدا عن أنّها ترفض بشكل قاطع أن يكون الطرف الآخر من العلاقة هنديّاً، وليس مسلماً. هو كالإشراك بالله تماماً بالنسبة لهُم.

كانت تُخفي علاقتها به مؤقتاً. كانت تُعرف أنّها لا تستطيع إخفائها إلى الأبد. ولكنّها كانت تكتسب الوقت لإيجاد مخرجاً مقبولاً لها ولحبيبها، ولأهلهما. ليست وحدها في تلك الدوّامة. أهله أيضاً يرفضون فكرة أن يتزوّج بإمرأة من خارج السرب، رغم أنّهم عائلة منفتحة إجتماعيّاً، وذهنيّاً، ولكن جذور الثقافة، ممتدّة كجذور السنديان في أعماق الناس منذ فجر التاريخ.

خوفهم على زواجها من الشاب الهندي، دفعهم إلى البحث عن شاب باكستاني مسلم لتقترن به. في تلك الأثناء، بدأت العائلة بالتضييق على حركتها، ومسائلتها عن كل ما تقوم به، ليمنعوها من الالتقاء بحبيبها. محاولاتهم كان مصيرها الفشل، فهي بقيت على اتّصال به، ولكن بشكل محدود.

عندما بدأ أهلها بالبحث عن شاب تقترن به، عرفت أنّها لن تستطيع أن تهرب من قدرها. تُفزعها فكرة أن تعيش مع شخصاً لا تحبّه. هذه الصورة ترهق روحها.  ومؤخراً يراودها كابوس واحد، يتكرر ليلة تلو ليلة. تمشي في غرفة مظلمة لامتناهية، تخلو من الجدران، الأبواب والنوافذ. تستيفظ عند منتصف الليل من الحلم، والعرق يتصبب من يديها. تُصلّي في قلبها للإله أن يُنقذها، وأحياناً عندما تفقد الأمل منه، تتمنّى لو أنّ الأرض تبتلعها.

الوقت يمضي، وهي تنتظر القطار. وكلّما تأخر، كلّما اقتربت دقيقة من موعد زواجها الذي أصبح أقرب من أي كابوس آخر. عيناها التي خبّأت فيهما دموع كثيرة، كانت مفتوحة لتستوعب السماء. الكحل الذي يُزيّن عينيها الجميلتين تبلّل بدموعها. التقطت أنفاسها وكأنّ شيئاً لم يكن. رغبتها كانت أن لا يأتي القطار. بلحظات، ارستمت ابتسامة ماكرة على ملامحها، وكأنّها أعدّت خطّة ما لإنهاء الكابوس.

المشهد لم يتغيّر كثيراً. دقيقة ليصل القطار. الرجل الأسمر يتنفّس الصعداء، والفتاة الباكستانيّة لم تعد مكترثة لأي شيء. مصيرهما ينتظرهما على الجانب الآخر. ينظر الشرطي إليهما بحسد، وضغينة غير ظاهرة. كان يُريد أن يكون أي أحد آخر. كان يحلم بأن يكون مجرّد راكباً مجهولاً للقطار الذي لم يصل بعد!

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “القطار الذي لن يأتي!”

  1. بعض الفرص تأتي ونحن ننظر إليها بتردد، فنفوت علينا فرص من العمر. التردد مرض إبن كلب.
    أسلوبك الروائي يا هاني ممتع.

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s