حرب الشوارع في بيروت


عن يوميّات حي بيروتي

كتبت هذا النص منذ عامين تقريباً عندما كان شبح الحرب يُخيّم فوق بيروت. في هذه الأثناء لم يتغيّر شيء، سوى أنّ احتمالات الحرب أصبحت أكثر.

***

Source: 500px – by bruno pagnanelli

بيروت دخلت “زمن التحوّلات”. كل التحوّلات. السياسة ترخي بظلالها على الجغرافيا. هي إعادة ترسيم خطوط التماس في تلك المدينة الهاربة من حقبات الدمار والبارود، التي هيّأت شوارعها وأزقتها لحروب يوميّة، وكأنها استديو متقن التفاصيل.

***

مشهد أول

إنها العاشرة مساءً. صوت أولاد الحي لم يخفت بعد. لديهم طاقة تضاهي مصانع توليد الكهرباء في ضواحي باريس. بعض النساء يجلسن أمام بيوتهنّ، يحتسين القهوة، على إيقاع أحاديث لا تنتهي، ولا يفقه بها أحد، وكأنها أسرار ذات شيفرة.

إنها العاشرة وخمسة دقائق. دويّ انفجار يسمعه الجميع. يخرج الكثيرون، من سكان الحي، من كهوفهم التي فيها الكثير من الآلات الغريبة، مثل التلفاز، أسلحة رشاشّة، كمبيوترات، وغيرها.. لاستطلاع الأمر.

على مدخل الحي، غبار!

الرجال يتوجّهون إلى الغبار. حاملون أجهزتهم الخليويّة، وبعضهم أجهزة لاسلكيّة، التي تشير إلى هويّة حامليها. هؤلاء أبناء الواقع، الذين تحوّلوا إلى أمر واقع.

“لا إصابات”. مجرّد غبار، وبعض الأضرار لسيّارة جار من الجيران.

هي القنبلة رقم 32 خلال عامين.

Source: 500px – by Nareg D. B

مرّت ساعة “الحدث”. الرتابة تعود إلى المشهد. الأطفال يطفئون محرّكاتهم. يتوجّهون إلى النوم. النساء يحضّرن الشاي. شيفرة جديدة سيحللوها، قبل خلودهم إلى أحضان أزواجهم!

***

مشهد ثاني

مع ساعات الصباح الأولى، وقبل أن تحمل الشمس دفئها الخريفي إلى زواريب الحي المفعمة بالتعب، يأتي بائع الخبز الستينيّ، على درّاجته، يركنها على أحد الجدران. ويتقمّص دور يسوع الناصري. يوزّع الخبز، على البيوت الغارقة في نومها، دون أي حشرجة مزعجة.

بعد قليل. الحياة تأخذ شكلها الطبيعي. أصداء قنبلة الليل تتردد قليلاً بين بعض النساء اللواتي لم تشارك في مجرى الأحداث. وغير ذلك؟

الأطفال يعودون إلى ساحتهم. آبائهم إلى ساحاتهم الأكثر قسوة.

***

مشهد ثالث

هنا، الجدار يرتفع! خطوط التماس بدأت ترسم ملامح الزمن الآتي. “الخوف من الآخر” يتكرّس قاعدة عامة بين الناس. هم لا يتحمّلون مسؤوليّة ما يجري. هم ضحايا آخرين للنظام. جنود التاريخ. بيادق الجغرافيا. وقود الشرق الأوسط.

منذ “الأنفجار الأول”، بدأوا حفر الخنادق، وبناء المتاريس، كغيرهم من سكّان هذه البقعة البركانيّة على هذا الكوكب.

تبدّلت هويّتهم. لم تعد كرة القدم، ما تجذبهم. تلك اللعبة التي نمو على إيقاعها، وساهمت برسم هويّة خاصة بهم. الكرة كانت شغفهم.

من هذا الحي، تخرّج الكثير من لاعبي كرة القدم. احترفوا اللعب في “البورة”، التي كانت ساحة تلال رمليّة كبيرة، مسيّجة بسور باطون صغير، حيث لعبوا لسنوات طويلة. احترفوا الكرة، وتوزّعوا على فرق الدرجة الأولى، ولاحقاً استدعوهم إلى المنتخب الوطني. هؤلاء الأبطال شكّلوا “أيقونة” الشباب ورموزهم الرياضيّة.

لم يكن هناك من خوف يدعوهم للريبة من أبناء الاحياء المجاورة. لا بل كان محيطهم امتداداً طبيعياً لهم. إذ، كانوا ينظمون دورات كرة قدم، في تلك “البورة”، تشارك فيها فرق شبابيّة من مناطق مختلفة.

تلك الحكاية هي من الزمن القديم. زمن الهوايات الجميلة.

***

مشهد رابع

إنّها الواحدة ليلاً. سكون طبيعي في الغرفة، خرقته رشقات ناريّة، تبعها رشق آخر. فجأة  صوت خطوات قريبة تركض باتجاهات متعددة. أحدهم يحاول من نافذته المهترئة استطلاع الأمر، ودون أن يفهم ما يجري تحديداً، يعود إلى مخدعه، كالسكون الذي خيّم بظلاله السوداء على الأزقّة.

لم يفهم بلحظتها ما يجري. ولكنه يعرف جيّداً الإطار العام الذي تجري فيه هذه الأحداث. هي مشهد من سيرورة قاسية. دوّامة من دوّامات التاريخ. “هي لعنة الجغرافيا” يتمتم.

***

مشهد خامس

 

البحث عن الثقة، في أحياء بيروت، كالبحث عن جندي اسبرطي يدين الحروب! في الشوارع الداخليّة، كل مرء هو احتمال بطل/ جريح/ عميل/ جاسوس/ شهيد/ قتيل/ ضحيّة.

بيروت ترفض الإجابة. تترك الأسئلة، وكل شيء معلّق المصير. أنتَ في “مدينة الاحتمال”. الهواجس تطال الجميع بالتساوي.

حياة الناس من حياة المدينة. التحوّلات رسمت نمطاً آخراً لهم. علّقوا كل شيء حتّى انفجار آخر.

أجهزتهم العصبيّة تستنزف. التسلّح والمتاريس حديثهم اليوميّ. أمّا الهمّ الأكبر، فهو إيجاد توازن الذعر مع الأحياء المجاورة، التي اجتاحها النمط ذاته.

هو الأخ الأكبر يكرّس نظامه في المدينة. يراقب. يهدد. يخطط. يتربّص .يوزّع السلاح. وينقض!

***

مشهد سادس

استنفار. استنفار. استنفار.

عبارة التقطتها الأجهزة اللاسلكيّة للرجال، الذين لم يخلعوا بزّاتهم الميليشياويّة، منذ عشرون عاماً. اشتباكات بدأت بين حيين من أحياء بيروت القريبة. تتوسّع الاشتباكات إلى أحياء اخرى.

وصلت التعليمات. “ربّما يشنون علينا هجوماً من الشمال أو الجنوب”. الجميع يتحسس بارودته، ويجهّز نفسه.

إنّها التاسعة والنصف. مرّت ساعتان ولم يهجم أحد على الحي. ولكن الاستنفار يبقى حتى تأتي إشارة اخرى إلى الأجهزة لتعلن أنّ المواجهات انتهت. فجأة، “عودوا إلى بيوتكم”.

يزيلون المظاهر العسكريّة من الزواريب. ويعود الأطفال إلى استنزاف آخر كمشة “طاقة” في أجسادهم الفقيرة!

هذه المرّة، النساء يؤجّلن الشيفرات إلى الصباح التالي..

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “حرب الشوارع في بيروت”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s