الصيف، الكتابة، البطيخ، وأشياء اخرى


مع كل صيف، تبدأ معاناتي (ومعاناة مدوّنون وكتّاب آخرون). هي ليست معاناة لامحدودة، ولا تنحصر بالحرارة والرطوبة التي تخنقني، وتجعلني كائناً لا يُطاق، قليل الكلام، وقابلاً للانفجار في أيّة لحظة.

خلال الصيف، انتاجي على الصعيد الكتابي، يضمحل. الأفكار تختفي من دماغي. الغدّة التي تُفرز الكلمات تُصبح شبه معطّلة، لدرجة مُزعجة، خصوصاً وأنّ الكتابة هي رئتي الثالثة، إذا ما اعتبرنا أنّ الرئتين اللتين أملكهما صالحتان لربع قرن آخر.

Srouce: 500px.com by Eduardo Daniel

خلال الصيف، يقلّ الكلام. الصبر يضيق ليُصبح خرم إبرة. النقاش يتحوّل لعملة نادرة. الحركة تنخفض إلى النصف. القدرة على تحمّل الآخرين وقصصهم تتقلّص، فكيف بتحمّل الممانعين، المتطرّفين دينيّاً، وعشّاق نظريّة المؤامرة. كل شيء يقلّ، بما فيهم الإشتياق، والحميميّة، رغم أنّ الناس في هذا الفصل، تنخفض كميّة الملابس التي ترتديها، تُظهر مفاتنها الجملية والقبيحة، وتُخرج أصابع أرجلها إلى العلن، لتُصبح كهويّتها تماماً.

أشكر الآلهة على أنّ ليس كل شيء يقلّ أثناء الصيف. هناك بعض الأشياء الجميلة التي تنتشر، وتجعل من يوميّاتنا أقل وطأة، وأكثر خفّة منها البطيخ، تلك الفاكهة المقدّسة، التي تُصبح في متناول اليد، أينما ذهبنا. الجميع يملك البطيخ خلال الصيف، ويتشاركه مع الجميع. وطبعاً، عند كل زيارة لي لمحل الخضراوات والفواكه، أقوم بشراء نصف بطيخة كبيرة، لأقوم بأكلها بعد الغداء، أو العشاء. هكذا أقتل الوقت خلال الصيف الذي يبدو بلا نهاية.

بوستر الفيلم

أحياناً، ولأنّي إنسانٌ خيّرٌ، أقوم بمشاركة صديقي بالبطيخة التي اشتريها. نأكلها بعد تناول عشائنا المتواضع. ولكنّي لستُ دائماً كذلك. خلال عطلة الأسبوع، قامت إحدى رفيقاتي بزيارتي، وعدتها بتناول البطيخ، خصوصاً وأنّها من عشّاق تلك الفاكهة. ولكنّي شعرت بأنانيّة مُفرطة، ولم أشاركها إيّاها. جعلتها تنسى أمر البطيخ، وأضعت كل الموضوع عبر مشاهدة الفيلم الإيطالي المؤثّر “Life is Beautiful”. غادرت الشقّة، بعد أن شكرتني على الفيلم الذي استمتعت به، دون أن تتذكّر البطيخة. هكذا مارست أنانيّتي، دون أن ينتبه أحد. وكانت البطيخة من نصيبي. ولكنّها لو سألتني عن البطيخة، لقمت بمشاركتها إيّاها برحابة صدر.

Source: 500px.com by
Yeow Chin Liang

اليوم، أتذكّر عندما تشاركنا منذ سنتين، أنا وصديقتي، البطيخ مع أحد مهمّشي الرأسماليّة على شاطىء فينيس بيتش، في لوس انجلوس. في ذلك اليوم، كانت خيوط الشمس تغزل الرقص فوق ضفّة الباسفيك. كان لبقاً، وأنيقاً، رغم ملابسه القديمة، عندما سألنا إن كان بإمكانه مشاركتنا البطيخ. تشعّب الحديث، عرّج على الرأسماليّة، الأزمة الأقتصاديّة القادمة، وحطّ في فلسطين.

***

ولأنّي أكتب، وأنشر بشكل منتظم كتاباتي على صفحات المدوّنة، أعتقد أنّ المعاناة سترتفع خلال الشهرين المقبلين من أجل البحث عن فكرة، وموضوع للكتابة. هذا لا يعني أنّي لا أقوم أبداً بالكتابة هذه الأيّام، ما أكتبه غير قابلاً للنشر الآن، وهو جزء من مشروع سأعلن عنه لاحقاً، عندما يُصبح جاهزاً لذلك.

بكل الأحوال، الصيف ليس فصلي المفضّل، وقد يعود ذلك للاسباب التي ذكرتها آنفاً. ولكن أكثر ما أعتقده أنّ الصيف يخلو من الحميميّة، والإلهام. لتلمع الفكرة في رأسنا نحتاج إلى بعض من الحميميّة، لذا الكتابات والأفكار الكبرى لا تخرج إلاّ في فصول الدفء، الحميميّة، والشغف.

الخريف يقبع وراء الشمس!

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “الصيف، الكتابة، البطيخ، وأشياء اخرى”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s