القصة: أفكار فوضويّة


.1.

اجمع من حولك، وقل لهُم “سأخبركم قصّة”. خلال ثوانٍ معدودة سيصمت الجميع، ويبدأوا بالإنصات إليك. عادة لا نُخبر القصّة كما هي تحديداً. دائماً ما نُضيف عنصراً ما، يُعطي للقصّة طابعاً دراميّاً، أو كوميديّاً. القصّة لا تُصبح قصّة إلاّ عندما تخرج إلى الضوء، ونُخبرها.

Source: 500px.com by Jonathan van Wunnik

القصّة هي كائن حي، يتنفّس، وينمو. تكبر في دواخلنا، أحشائنا، لتصبح حياة لا تنفصل عن حياتنا. نحن تلك الأرواح التي لا تموت. نحمل القصص من يوم إلى آخر، ومن حياة إلى اخرى، دون بالضرورة أن نعيها، أو نتذكّرها.

عندما تكون لدينا القدرة على تحويل وقتنا ويوميّاتنا إلى قصص. لن نمل. لن يتكرّر المشهد. حتى ولو كان مُكرر. الوجوه لن تكون كما هي. الأماكن كذلك.

.2.

عند الصباح، الذي أصبح قريباً، قُم بهذا الاختبار. اعتبر أنّ ما ستحياه خلال هذا النهار، هو قصّة ليس بالضرورة أن يكون لديها بداية، أو نهاية. تخيّلها قصّة بدأت، ولها سياقات قديمة. ولن تنتهي في اليوم التالي.

ستعثر على الكثير من الأشياء الجديدة- القديمة حولك. ستكتشف أنّك أكثر من مجرّد كائن يُكرر ذاته. حياتك ستكون أعماق تنتظر الاكتشاف.

انت نفسك ستكون ذلك المنقّب الذي يجمع كل الرموز حوله. ويُحاول وضعها في سياق أوسع، وأبعد.

ستبدو وكأنّك بحّار. مكتشف نجوم، وقاطف ثمار. تخيّل أنّ الشمس إلى جانبك، وكذلك العشب الأخضر الذي ينمو على أطراف الشارع. تخيّل أنّ البحر فضاء أرضي يُمكن ملامسته، وخوضه.

Source: 500px.com by Zoltan Huszti

في الصباح التالي، سيكون كل شيء قصّة. حارس المبنى، عامل التنظيفات، سائق التاكسي، زملائك في العمل، أصدقائك، وكل من تصادفه.

كل الأحداث لن تكون مجرّد أحداث، بل سيكون لها سياقاتها التي يُمكنك أن تغيّرها وتضيف عليها، معتقداتك، أحلامك، وبعض من أحاسيسك.

كل الأمكنة ستزورها للمرّة الأولى، رغم أنّك مررت فيها مئات المرّات، وقضيت فيها كل طفولتك. كل الزواريب ستبدو وكأنّها زواريب اكتشتفها للتوّ.

إن كانت هذه الزواريب خالية من العابرين. تخيّل من هُم المحتملين الذين قد قاموا بعبورها. تخيّل ملامحهم، أفكارهم، ووجهتهم. تخيّل علاقاتهم مع ذاتهم، احبائهم، عشاقهم. تخيّل شخصين من هؤلاء فقط. وإن كانت مليئة بالعابرين. تخيّل اثنين منهم. وحاول أن تذهب بعيداً في أعماقهم، وقصصهم المحتملة. تخيّل قصّة بسيطة السيناريو، والعناصر. والشخص التالي الذي ستلتقيه، قد تقوم بإخباره القصة.

.3.

القصص تُغيّر في حياتنا. قصصنا، قصص الآخرين، أو حتى القصص المتخيّلة، التي بالمناسبة هي الأكثر تأثيراً على حياتنا.

كم قصّة سمعتها، أو قرأتها أثناء طفولتك، مراهقتك، أو في المراحل اللاحقة، واثّرت بحياتك. إذا ما تأمّلت ذلك، ستجد بأنّ الكثير من القصص اثّرت فيك. وإذا ما اردت العودة إلى تلك القصص، ستجد أن الكثير من الشخصيّات تلك، تحمل ملامحك، وتشبهك. وأحياناً، تنطق في سرّك، “كيف أمكن لهذا الكاتب أن يكتب عنّي دون أن يلتقي بي؟”.

الكثير من الشخصيّات تعلق في ذاكرتنا، وأذهاننا. ترافقنا في حياتنا، والتحدّيات التي نمر بها. هل تستطيع أن تنسى زوربا، تلك الشخصيّة اليونانيّة الفذّة؟ هل تستطيع أن لا تنتمي إلى عالم ونستون سميث، ذلك الثائر على طريقته، في رواية 1984، ضد عالم تحكمه الشموليّة؟ هل يُمكنك أن تتفادى الغريب وعالمه في رواية البير كامو؟

هل بإمكانك أن لا تُعجب بذلك الراهب هيبا الذي غيّر اسمه، بسبب اعجابه بالمعلّمة الوثنيّة هيباتيا، في رواية عزازيل؟

.4.

انجذابنا للقصّة، هو انجذاب ابدي لسبر أغوار أعماقنا البعيدة. هي تلك الرحلة المليئة بالغموض، والرموز التي لا يُمكننا تجنّبها، ولا حتّى الهرب منها. هي اكتشاف لكل ما يعيش في داخلنا، من أحداث، هواجس، تاريخ، وترقّب لكل ما يحدث.

الحكواتي الاوّل

الحكواتي لم يأتي من العدم. هو تجسيد الوعي الجماعي للعطش القصصي. لذا كان الحكواتي، او القصاص (اي الذي يقص القصّة)، شخصيّة موجودة في كل تاريخ المجموعات الإنسانيّة على مر التاريخ. وقد استخدمت القصّة كأحد أهم وسائل نقل المعرفة، والحكمة بين الأجيال. هي صلة الوصل بين التاريخ، الحاضر والمستقبل. هي مشاركة الخبرة، والتجربة عبر الحقبات الزمنيّة.

وهذا ما قد يُفسّر الإنتباه الشديد للآخرين عندما تدعوهم لقص عليهم إحدى القصص، وما يُفسّر عشق الأطفال للقصص التي تلعب دوراً جوهريّاً في طفولتهم. هي الفطرة المتأصّلة فينا منذ كنّا كائنات تعيش في الكهوف. ترسم وتكتب قصصها على الأشجار والرمل، لتبقى في الذاكرة الجماعيّة، وليستطيع الحكواتي أن يقصّها على الأجيال القادمة دون أي نقصان فيها.

القصّة تُساعد هؤلاء في رحلتهم الحياتيّة. هي إلهام ليبحثوا عن مقاربات، ورؤى مختلفة للحياة، وهدفها. وما بدأ قصّة صغيرة منذ الآف السنوات، تحوّل إلى قصص لا تنتهي مع الأجيال اللاحقة. من هنا ظهر في تاريخنا الإنساني الأدب الشعبي الذي هو بدوره يتغيّر، وينمو بتغيّر التجارب التي تمر بها المجموعة الإنسانيّة التي يُعبّر عنها.

.5.

رغم أنّ الحكواتي كشخصيّة لها موقعها في حياة المجموعة، فقد اختفت من حياتنا بشكلها القديم، وهي الآن شخصيّة تعيش بيننا بشكلها الحديث. المنشورات، والقصص المطبوعة أخذت هذا المكان لحقبة طويلة من الزمن. ومع ظهور التلفاز، الذي سيطر على مخيّلتنا، ووعينا الجماعي، أصبحت القصّة على شكل مسلسل.

الناس حول الكوكب تستهلك المسلسلات بكميّات هائلة. وليس فقط المسلسلات. هي تستهلك كل ما يحمل قصّة يقصّها عليها. وهذا ما دفع العلامات التجاريّة (Brands)  البحث عن قصّة، تتوجّه من خلالها للمستهلكين. وكالات الميديا حول العالم التي تضع استراتيجيّات العلامات التجاريّة تكتب القصّة، لنستهلكها قبل أن نستهلك المنتج.

.6.

Source: 500px.com by Natalia Drepina

أنظر حولك إلى الأغرض التي تحيط بك. سترى أنّ الكثير منها لها قصص. وكل قصّة مرتبطة بمرحلة مفصليّة في حياتك. ولأنّنا ككائنات حيّة، رغم نبذنا لذلك الماضي أحياناً، وإنكاره، فهو يبقى  جزء منّا، يعيش معنا وفينا بأشكال مختلفة.

عندما تُصبح الأشياء المحيطة فينا قصص، يُصبح من الصعب التخلّي عنها، واستبدالها. تُصبح قيمتها أبعد من قيمتها الماديّة المباشرة. ثمنها يُصبح لا يُقدّر. فهي تحمل أسرارنا، حكايانا، والزوايا الخفيّة من ماضينا الطويل. وكم من شخص انجذبنا إليه بسبب ملامحه التي تستطيع إخبارنا قصّة دون أن ينطق؟

.7.

نحن الأرواح المتعطّشة أبداً للقصص. كلّما ارتوينا، بحثنا عن المزيد منها.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “القصة: أفكار فوضويّة”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s