ليستلم الإسلاميّون السلطة: حقبة جديدة من المواجهة


هل طوى الشعب المصري، الأوّل من أمس صفحة قديمة، وبدأ صفحة جديدة في تاريخه الحديث؟ من الواضح أنّ البلاد قد دخلت في عهد جديد، وبغض النظر عن أنّ الرئيس الجديد محمد مرسي إسلاميّ الرؤية والتوجّه، فهو الرئيس العربي الأوّل الذي جاء عبر صناديق الإقتراع إلى سدّة الحكم، ولم يأتي عبر بندقيّة، دبّابة، أو إرادة خارجيّة.

طبعاً، لستُ سعيداً، بالمعنى العميق للكلمة بمجيء رئيس إسلامي إلى الحكم، إن كان في مصر، أو أيّ مكان آخر. ولكن لنتأمّل المشهد قليلاً، والاحتمالات القائمة، قبل أن نبدأ الوقوف على الأطلال، والنظر للثورات بأنّها حدث سيء في تاريخنا، وكأنّ استمرار الدكتاتوريّات هو الحل الوحيد لتفادي وصول الدينييّن إلى السلطة.

غرافيتي ضد الاخوان المسلمون في القاهرة

للاسف، التيّار المدني في مصر، وغير مكان من العالم العربي، هو تيّار ضعيف، غير منظّم، محصور بنخب مغلقة، ويفتقد للرؤية التي يعمل من خلالها، بينما التيّار الديني فهو تيّار يتصاعد يوماً بعد آخر، مُنظّم بشكل دقيق، يمتلك رؤية، وخطاباً يستطيع من خلاله أن يصل إلى الأماكن، التي لم يستطع الخطاب المدني أن يصل إليها. هذا ما أدّى إلى خروج المرشحين العلمانيين والمدنيين من الدورة الأولى، ووصول المرشح الإسلامي إلى المرحلة الثانية من الإنتخابات الرئاسيّة.

هذا من جهّة، أما من جهّة اخرى، استطاع مرشّح فلول النظام أحمد شفيق أن يصل إلى المرحلة الثانية من الانتخابات، والحصول على 48% من أصوات المصريين. قد يستغرب البعض ذلك، ويمتعض من قوّة النظام، ومرشّحه. نعم سقط النظام، ولكن لنكن واقعيين، نظام حكم لنصف قرن تقريباً، لن يزول بشكل كامل، بين ليلة واخرى، ولن يختفي من الوجود وكأنّه لم يكن. هذا النظام ستبقى وجوهه بيننا، وهذه الوجوه سيكون لها ادوراً مختلفة التأثير، لحقبة لا بأس فيها من الزمن، إلى أن تُنتج البلاد مجموعات سياسيّة، اقتصاديّة، وثقافيّة اخرى. وهذا يستلزمه صبر، وجهد لا ينتهيان. الثورات ليست سحر، كما قد يعتقد البعض.

ليس بالضرورة أن تكون نسبة 52% التي حصل عليها مرشح الإخوان دقيقة، وكذلك الأمر بالنسبة لمرشّح النظام السابق. فمع خروج التيارات المدنية والعلمانيّة من المواجهة، أصبح المواطن المصري بين خيارين، احلاهما مُر. وهذا ما أدّى إلى قيام الكثيرين بالتصويت لمرشّح الإخوان منعاً لوصول مرشّح النظام إلى سدّة الحكم، ما يعني إعادة إنتاج النظام، بشكل ديمقراطي، وتضييع مكتسبات الثورة. ومن ناحية اخرى، قام الكثيرين بالتصويت لمرشّح النظام تفادياً لوقوع السلطة في قبضة الإسلاميين، مع كل ما يعني ذلك من استمرار قمع الحريّات العامة، اسلمة المجتمع بشكل رسمي وممنهج، وتحويل مصر إلى دولة إسلاميّة دستوريّاً، وقانونيّاً.

بغض النظر عن النسب والأرقام، فإنّ البلاد دخلت حقبة جديدة، والسلطة الآن بيد الإسلاميين.

ملامح من المستقبل

ماذا لو فاز مرشّح النظام بالرئاسة؟

السيناريو المحتمل لو فاز مرشّح النظام، وبغض النظر عن احتمالات نشوب الحرب الأهليّة التي سمعنا عنها كثيراً قبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسيّة، هو أن يستمر النظام بسدّة الحكم لمدّة اربع سنوات اخرى. ما يعني العودة إلى المربّع الأوّل. إلى ما قبل الثورة، وبالتالي ضياع المكتسبات، ونضال الناشطين، الأحياء منهم والشهداء.

وكونَ الاخوان المسلمون قد خسروا في هذه الإنتخابات، فهذا يعني أنّهم خلال أربع سنوات سيكونوا أكثر استعداداً للانتخابات القادمة. وذلك على الصعيدين السياسي والشعبي خصوصاً وأنّهم سيلعبون، سياسيّاً، دور المعارضة الخائفة على مصالح الشعب، واستخدام هذا الدور في توسيع شعبيتهم، وهذا احتمال جدّاً وارد، خصوصاً وأنّهم متقدمين تنظيميّاً ولوجستيّاً على التيّارات المعارضة الاخرى كالتيّارات الشبابيّة، المدنيّة والعلمانيّة وغيرها.

غرافيتي اسلامي في القاهرة

وحتّى لو تم تفادي وصول الإسلاميين إلى السلطة الآن. ماذا سيحصل بعد أربع سنوات؟ سنكون أمام المعضلة ذاتها. مَن من بين التيّارات السياسيّة الناشطة سيكون قادراً على إيصال رئيس إلى المنصب الأوّل؟ والاستحواذ على الحصّة الأكبر من البرلمان؟

طبعاً، ليس المدنيين. والمؤهّلين الوحيدين تنظيميّاً، لوجستيّاً وشعبيّاً، لاستلام الحكم هم الإسلاميين. وذلك لأنّهم طوال عقود كانوا على الهامش، وهذا ما مدّهم بقوّة شعبيّة لا بأس بها، خصوصاً وأنّهم برزوا كمضطهدين من قِبل النظام (والأنظمة بشكل عام)، والمعارض الدائم الذي لا يكون بالسلطة، هو المعارض الذي تنجذب إليه الفئات الشعبيّة كمعبّر عن تطلعاتها، مُدافع عن قضاياها، ومُطالب بحقوقها. وهذا ما نجح به الإسلاميّون، إلى أن أصبحوا اليوم الصوت الأعلى في العالم العربي، والرقم الأصعب في المعادلة الإجتماعيّة- الثقافيّة، والسياسيّة-الإقتصاديّة.

اليوم، لا يُمكن تفادي وصول الإسلاميون إلى السلطة. في الأمس وصلوا إليها في كلٍّ من غزّة، ليبيا، وتونس، واليوم في مصر. والدول الأخرى مرجّحة دائماً لتكون نقطة وصول لهُم.

من المؤكّد أنّ حقبة جديدة دخلتها مصر، وهذا أمر جيّد. حقبة من المواجهة مع الدكتاتوريّة قد طويت، وأنتهت. والآن، تدخل البلاد حقبة يحكمها الإسلاميّون، وهو ما يعني بدء حقبة جديدة من المواجهة مع القمع الديني، والدفاع عن الحريّات العامّة.

الشعار التاريخي للإسلاميين “الإسلام هو الحل” – ملصقات الحملة الانتخابيّة للاخوان المسلمون في القاهرة

هذه الحقبة تتّسم بنقطتين رئيسييتين. الأولى، المد الشعبي للإسلاميين سيتقلّص خلال سنوات معدودة، خصوصاً وأنّه استلم البلاد في حالة من الإنهاك الاقتصادي، وسيكون من الصعب على الإخوان تحقيق وعودهم تجاه الناس الذين انتخبوهم، وبأيّة حال، هذه فرصة لاختبار برامجهم السياسيّة، وصدقهم تجاه الناس، فهُم نشأوا خارج السلطة وعاشوا خارجها. هذا اختبار حقيقي لهُم، خصوصاً وأنّ شعار استقطابهم للناس هو “لم نُجرّب بعد”. وذلك كان صحيحاً. هُم الآن قيد التجريب.

أما الثانيّة، فإنّ هذه المرحلة صعبة، والمواجهة فيها تستلزم حمل رؤى حيّة، خصوصاً وأنّ السلطة الدينيّة لديها ايديولوجيّتها، ورؤيتها، على عكس الدكتاتوريّة القائمة على الفرد التي تفتقر لكل ذلك، وتقوم على صورة الدكتاتور. وهذا يعني أنّ المعارضين للسلطة الدينيّة، من مدنيين، علمانيين والمؤمنين بالحلول البديلة أن ينتقلوا إلى طور آخر، على الصعيد الفكري، الرؤيوي، والتنظيمي.

وهذا يستلزم قبل كلّ شيء، جرأة الاعتراف بأنّها فشلت تاريخيّاً، وبأنّ معظم الأفكار التي تحملها الآن لم تعد نافعة، إضافة إلى أنّ الشكل التنظيمي والأدوات التي استخدمتها يجب أن تُعيد النظر فيها.

صراحة، هذه فرصة للقوى المدنيّة بكل اتجاهاتها، لتقوم بورش داخليّة، حقيقيّة، ومتحرّرة من كل رواسب الحقبات الماضيّة، والأطر البالية، فهي أثبتت أنّها قادرة على التأثير العميق في البنى الاجتماعيّة- الثقافيّة، ودورها الحيوي أثناء ثورة 25 يناير (كدور القوى المدنيّة في الثورات الاخرى) يُشكّل قاعدة إنطلاق نحو بلورة الأطر الفكريّة، والتنظيميّة، وحمل الرؤية التي من خلالها يُمكن مواجهة أي دكتاتوريّة قادمة، وتؤسس لثقافة جديدة في المجتمع تقوم على أسس المواطنة المتساوية، الحريّات العامة، وحقوق الإنسان.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

7 thoughts on “ليستلم الإسلاميّون السلطة: حقبة جديدة من المواجهة”

  1. يا ترى ماذا سيكون دور القوى المدنية و خاصتاً من يدعون العلمانية ” شوه الفكر العلماني ” ، هل سيتعاون معهم الإخوان أم سيلعبون دور المعارضة ..؟

    أعجبني

    1. اعتقد انّ الاخوان ليسوا في مكان يتقاسمون فيه السلطة مع اي احد. لديهم الأغلبيّة البرلمانيّة، والرئيس، وبالتالي الحكومة سيكونوا هم الأغلبيّة فيها..
      القوى المدنيّة الافضل لها ان تعيد النظر بكل ما تحمله، لتنطلق بعدها بعملها المدني والسياسي

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s