الإنتفاضة السوريّة: هل انفرط العقد الاجتماعي؟ (2)


يُمكنك قراءة النص الأوّل: (الإنتفاضة السوريّة: التقسيم والأمر الواقع)

أثناء قيام قوّات النظام البعثي وعصاباته بمحاصرة المدن والقرى السوريّة، وقتل المدنيين بدم بارد، كانت (ولا زالت) فئة كبيرة من الشعب والمؤيّدة للنظام تقف خلف الدكتاتور، تباركه وتشد على يده في أعمال الإبادة التي يقوم بها ضد المطالبين بالحريّة.

هذا التهليل الشعبي لأعمال قتل المدنيين منذ إنطلاق الإنتفاضة في درعا، نجده على صفحات الفايسبوك المؤيّدة للدكتاتور، وفي النقاشات حيث يوجد “المنحبّكجيّة”، وهي التسمية الرسميّة للذين يعشقون بشار الأسد حد الوله الشديد (والعقيم)، إضافة إلى المرتزقة السياسيين والإعلاميين من سوريين ولبنانيين الذين يخرجون علينا من خلال شاشات التلفاز مطالبين النظام بزيادة في بطشه وقمعه لحركة الاحتجاجات الشعبيّة، وكأنّ كميّة الدماء التي سالت ليست كافية لهم.

لستُ هنا بصدد تحليل نفسيّة هؤلاء، أو محاسبتهم، إذ أنّ مزابل التاريخ تتكفّل عادة بتلك المهام، ولكنّي بصدد بعض النقاط التي سيكون لها دوراً كبيراً في مستقبل سوريا:

–         لا شكّ أنّ المجتمع السوري يُعاني من أزمة أخلاقيّة حقيقيّة وعميقة، وهذا أمر طبيعي عندما تؤيّد شريحة واسعة من المجتمع قتل شريحة اخرى منه، ليس فقط دون أن يرف لها جفن، ولكن مع مطالبة كبيرة بتوسيع البطش ضد كل من يقوم بتأييد الإنتفاضة، ومعارضة الدكتاتور.

هذه الأزمة متجذّرة في المجتمع. يلزمها الكثير من التأمّل، والدراسة. مجموعات إنسانيّة وصلت إلى هذا المستوى المتدنّي من الأخلاق يجب النظر جيّداً في ما دفعها إلى هناك، وكيف يُمكن معالجتها على المدى البعيد.

–         حتّى عندما تشن إحدى الدول حرباً ضد دولة اخرى، تقوم فئة شعبيّة بتحرّكات تُطالب دولتها بوقف الحرب وقتل الشعب الآخر، تحت مبرّرات كثيرة، وعادة ما تكون المبرّرات الإنسانيّة والأخلاقيّة في الأولويّة. بينما في سوريا حدث العكس تماماً، إذ يخرج مؤيّدو النظام في مظاهرات لدعم الحرب ضد جزء من أبناء شعبهم.

هذه النقاط تقودنا إلى طرح السؤال السياسي الأوّل “ما هو العقد الاجتماعي؟”. قد يبدو غريباً طرح سؤال كهذا في لحظة تقوم به دبابات الأسد بقصف أحياء مدنيّة في حمص ودرعا، ولكن هذا الوقت المناسب لتساؤل من هذا النوع. أليس ما يجري في سوريا هو أحد أشكال إنفراط العقد الاجتماعي؟ أليس ما يجري هو تدمير للتعاقد الأوّلي بين المجموعات السكّانيّة لبناء دولة، والعيش في ظلّها؟

نحن أمام إنفراط العقد الاجتماعي في سوريا. لسنا بحاجة لمؤلّفات وكتب سوسيولوجيّة للوصول إلى هذه الخلاصة. كيف سيكون الجمع بين مجموعتين إنسانيّتين، أيّدت الأولى إبادة الثانية؟ وأكثر، ما الذي يجمع بين تلك المجموعتين؟ هل سيستطيعان العيش معاً في المستقبل؟ وما هي أسس تلك العلاقة؟

هل الدولة الواحدة قادرة على جمعهم؟ وما هي الأسس الأخلاقيّة التي ستحكم تلك الدولة؟

قد لا تنتهي الأسئلة، ويبدو أنّ وقتاً طويلاً سيمر قبل الإجابة عليها. طبعاً سوريا ليست أوّل بلاد وليست آخرها التي تعيش مخاضاً اليماً، وقد تكون المجتمعات الاخرى التي مرّت في حالة كهذه، بمثابة نماذج يُمكن التعلّم من تجربتها من أجل العبور، بخسائر أقل، نحو التحديات القادمة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “الإنتفاضة السوريّة: هل انفرط العقد الاجتماعي؟ (2)”

  1. عمل النظام من خلال ماكينته الإعلامية الضخمة على بث روح التفرقة السياسية منها والطائفية وحتى المناطقية بين أبناء الشعب السوري، وانساق بعض المغفلين وراء ما يبثه النظام من أفكار مسمومة وباتوا يؤيدون – بقصد أو بغير قصد – عمليات الإجرام والمذابح التي تجري في سوريا ضد إخوتهم في الوطن.
    في المعارضة أيضاً، هناك بعض التطرف الذي يتوعد الأقليات بعد سقوط النظام، وهذا لا يجوز لأنه سيجعل الأقليات تتمسك بالنظام وتربط مصيرها بمصيره وهذا ما حدث مع الطائفة العلوية حيث وقعت في الفخ التاريخي الذي نصبه لها النظام ووقعت الآن بين مطرقة النظام وجرائمه التي لا تتوقف وتبعاتها الإنسانية وبين سندان المعارضة الشعبية التي ستربح الصراع الدائر داخل سوريا.
    من جهة أخرى، حاول النظام منذ زمن بعيد ربط الأحداث بمؤامرة خارجية لكي يبرر جرائمه وها هو الآن ينوي إدخال 90 ألف جندي أجنبي (روسي، صيني، إيراني) إلى الأراضي السورية لإجلاء مناورات عسكرية، ولن يصعب عليه تبرير ذلك كثيراً أمام مؤيديه فهو يغذي عقولهم بالمؤامرة الكونية منذ بداية الثورة.

    أعجبني

    1. تحياتي جورج🙂
      للاسف استمد النظام قوته من انسياق مجموعات مختلفة لخطابه، وارادته، إن من ناحية التسلّح او من ناحية الخطاب الطائفي، والاعمال الانتقامية التي اساءت للانتفاضة، واعادت للنظام انفاسه.. وموقعه.

      وطبعاً، شريحة واسعة من مؤيدي النظام سيقبلون كل نظرية.. ومن برر قتل مواطنيهم المدنيين، لن يستصعب تبرير دخول عسكر الحلفاء إلى سوريا..

      تحياتي الك🙂

      أعجبني

  2. أخ هانيبال، نحن كتجمع سوري لم يكن له في أي يوم نظرية عقد اجتماعي سابقا، من أقدم العصور الغابرة وحتى اللحظة، لطالما كانت بلاد الشام بلاد الممالك المدينية التي شهدت توحدا غالبا إما تحت تهديد خارجي أو قيام محتل بتوحيد هذه الممالك، حتى بالنسبة لسوريا …… سوريا كتسمية اسم محدث لم يظهر إلا بعد الاحتلال الفرنسي وتكوينه لكياني سوريا ولبنان وفق مصالحه ورؤاه، وبالتالي وفي المراحل اللاحقة وبحالة تكوين لعقد اجتماعي تم اسقاط بنية العقد الاجتماعي للقبيلة وللعشيرة وحتى للطائفة على مشروع عقد اجتماعي جامع وهو ما تراه في كل من سوريا والعراق الذين تبنيا النظرية القومية الجامعة في التعامل ولكن على أسس قبلية عشائرية طائفية في التعامل، يعني بكلمة أو بأخرى محاولة تحويل الدولة إلى عشيرة كبيرة أو قبيلة كبيرة وحتى طائفة كبرى زعيمها رأس الدولة، وهذا ما سبب رد فعل ونكوص من قبل مكونات المجتمع نحو تكويناتها الأساسية في التعامل مع الدولة تكوين القبيلة وتكوين الطائفة والمدينة في محاكاة لمتطلبات السلطة في التعامل وهو ما لم تقدر الأنظمة البعثية مواجهته وبالتالي بقيت في حالة سكوت متبادل مع هذه الحالة من قبل الأطراف واليوم نشهد ظهورا لهذه الطائفية مثلا بحكم الضغط الإقليمي المتمثل بصراع قطبي الطائفية ايران والسعودية وهو ما يثبت هشاشية وضعف بنية ما كانت تعتقد هذه الأنظمة أنه عقد اجتماعي جامع.
    وطبعا قد نكون نحن بحاجة لتكوين عقد اجتماعي جديد بكل معنى الجدة، ورغم ذلك فأنا لا أراه في الأفق.

    أعجبني

    1. احمد، سررت بتعليقك!
      واضح وصائب، وواصبعك على المشكلة.

      وما طرحته، يجعلنا نُعيد النظر بكل ما تلقيناه وتعلمناه، نحن والأجيال السابقة، حول موضوع الشعب، والطائفة، والعرق، والدول..وهل نحن شعب واحد؟ ام شعوب؟ ام طوائف واثنيات مستقلة؟

      بكل الاحوال، الاتجاه نحو الدولة المدنية السوريّة، يلزمه عقد اجتماعي جديد، يحترم حقوق الجميع، ويعاملهم على اساس المواطنة، واحترام الحريات العامة..

      الأفق معتم قليلاً، ولكن هذا لا يعني الوقوف جانباً..

      تحياتي

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s