في مديح العزلة


أفكار فوضويّة

.1.

في شقّتي الصغيرة، كان الوقت بطيئاً، في ذلك السبت الطويل. كنتُ مُحاصراً بموسيقى بينك فلويد، وفوضاي التي تتوزّع المكان وكأنّ زلزالاً متواضعاً مرّ بي قبل ذهابه إلى مدينة اخرى تقع على خط الزلازل.

في الخارج، كانت الشمس تميل إلى حرق كل شيء، بأشعّتها التي تخترق غبار الصحراء. لم أجد أي مبرر للخروج من الشقّة، رغم أنّه مضى وقت ليس بقصير على عدم التقائي بأصدقائي، والناس التي أحب. التكاسل في المكان الذي أنتمي إليه هو طقس من طقوس يوم السبت، رغم أنّي لست يهوديّاً.

لم أكن أريد أن ابدأ هذا النص بكليشيه من هذا النوع. كليشيه قد يقودك إلى الملل، ولكنّي لن أقوم بخلق جو آخر غير الجو الذي أحياه في هذه اللحظة، كي لا تشعر بالملل. إذا ما شعرت بالملل، أنصحك بقراءة نصوص سرياليّة، أو فنتازيا تاريخيّة، وتتوقف عن قراءة هذا النص الذي قد تراه مليء بالكليشيهات.

.2.

مازلت متردداً من الاعتراف بأنّي أصبحت أفضّل البقاء في شقّتي وحيداً على أن أخرج والتقي الآخرين. قد أبدو بأنّي كائن غير اجتماعي، أو غير متفاعل، ولكنّي مازلت قادراً على إعطاء مبرّرات “ديماغوجيّة” لخروجي النادر من البيت. وهذا كافٍ لعدم الحكم عليّ بأنّي منعزل.

قرأت العديد من الروايات عن الذين يفضّلون العيش بعزلة عن الناس، ولكنّي حتى الآن لا أعرف إن كانت العزلة، هي نوع من أنواع الادمان التي يتعرّض لها الإنسان.

by Stefania Gasparri – Source: 500px.com

أحياناً، عندما أكون برفقة مجموعة من الأصدقاء، ينتابني شعور بأنّي لا أريد سوى العودة إلى البيت، والبقاء وحيداً. لا أعرف من أين يأتي هذا الشعور. هل يأتي من أعماقي؟ أم من ذهني؟ أم من أحشائي؟

لا أعرف مصدر هذا الشعور، ولكنّه شعور يشبه شعور الإدمان. هذا ما توصّلت إليه عندما حاولت تجسيده بكلمات. استغربت الأمر في البدء، ولكن لاحقاً، وجدتُ أنّي مدمن للعزلة، بكل أفاقها التي لا تنتهي عند حائط الغرفة.

.3.

الوقت أثناء العزلة، ليس بطيئاً دائماً. أحياناً يمر بسرعة غير متوقعة. تبدو العزلة وكأنّها رحلة إلى اللامكان. وأحياناً، رحلة إلى مكان تعرف جهّته مسبقاً. أشبه بعمليّة تنقيب.

By Pixel Passion – Source: 500px.com

وطبعاً، ليس في كل مرّة خرج فيها المنقّبون للبحث عن أشياء ثمينة عادوا بما أرادوا. غالباً ما يعودون بخيبة، تجر خيبة. وهذه السمة العامة للتنقيب. تخيّل ولو أنّهم يعودون دائماً بما يبحثون عنه، أعتقد أنّه عندها لما بقي أسمهم المنقّبون، ولكنّا بحثنا عن صفة اخرى لهم.

هذا ما يجعل من التنقيب شغفاً، والماً، ومتعة أزليّة. ولذا في كل القصص القديمة، نجد المنقّب والباحث عن الأشياء الثمينة يعبر الأرض، حاملاً خريطته التي ترشده على ما يبحث عنه، ومتّبعاً فطرته التي تتعبه كثيراً، قبل الوصول إلى “الجوهرة” التي يبحث عنها.

.4.

by Ann Amsterdam – Source: 500px.com

أحياناً نجوب العالم بأسره للبحث عن “الجوهرة”، التي ستمدّنا بالسعادة، والدهشة. نبحث في كل الأماكن، والزوايا، ولا نجد شيئاً، وننسى أن نبحث عن أقرب مكان إلينا: أعماقنا.

وقد تكون رواية “الخيميائي” للروائي البرازيلي باولو كويللو، أكثر مُعبّر عن هذا المفهوم.

.5.

العزلة هي الرحلة التي لا تنتهي. هي فضاء الجسد، الذهن والروح. هي التاريخ، الحاضر، والمستقبل، عندما يلتقون في لحظة واحدة، وكثيفة.

موسيقى بينك فلويد مازالت تُحاصر المكان. الفوضى لا مكان آخر ترحل إليه. أما أنا، أُنهي هذا النص، لأعدّ قهوتي. بما أنّ النص بدأ بالكليشيه، يُمكنني أن أختمه بكليشيه آخر.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

7 thoughts on “في مديح العزلة”

  1. الله يا هاني

    هنا وقفت .. وتأملت
    هنا جلست .. وتمعنت

    ما أجمل قلمك الرائع ..
    وهو يخط مشاعرك
    نور قلمك رحل بنا
    إلى الأعماق
    لنكتشف ما يختبئ هناك بداخلك

    فكل إنسان يصبوا إلى لحظات
    للقاء مع النفس والخلود للصفاء
    وشيء طبيعي أن نرغب بالإنعزال
    حتى نعيش مع الأحلام
    والهروب من الواقع
    فلذلك كل منا يمر بتلك اللحظات
    التي تكون العزلة والوحدة له
    وهي أقرب صديق وأقرب إحساس يلازمه

    هاني …
    كم طاب لي التواجد هنا
    بين سطورك…
    لمعانقـــة حروفك
    سلمت وسلم ذلك القلم

    تقبل تقديري
    رندة

    أعجبني

  2. أتريد أن تمضي إلى الوحدة يا أخي؟ أتريد أن تبحث عن الطريق إلى نفسك ؟ تمهّل قليلا إذن واصغ إليّ .
    ” إنّ من يبحث يمضي بدوره إلى الضياع بسهولة. وكلّ اعتزال خطيئة “: هكذا يتكلّم القطيع . ولوقت طويل كنتَ مع القطيع .
    سيظل صوت القطيع يرنّ في داخلك. وعندما ستقول : ” لم يعد لي من ضمير مشترك معكم”، سيكون ذلك شكوى ووجعا .
    أنظر، ذلك الوجع ذاته إنما ولّده ذاك الضمير : وآخر بصيص من ذلك الضمير ما يزال يشتعل فوق لوعتك .
    لكنك تريد المضي على درب لوعتك الذي هو دربك إلى ذاتك ؟ أرني إذن إن كنت حقيقاً بذلك وذا طاقة عليه !
    -هكذا تكلّم زرادشت. نيتشه

    أعجبني

  3. وحيدا تمضي على طريق المبدع : إلَهًا تريد أن تصنع لنفسك من شياطينك السبع !

    وحيدا تمضي على طريق المحبّ : نفسَك تحبّ، ولذلك تحتقر نفسَك كما لا يمكن إلاّ لمحبّ أن يحتقر.

    خلقًا يريد المحبّ لأنه يحتقر ! ماذا يعرف عن الحبّ ذلك الذي لم يكن عليه أن يحتقر بالذات من يحبّ !

    لتمض بحبّك إلى عزلتك، وبإبداعك يا أخي؛ بعدها ستتبعك العدالة مجرجرة رجلها العرجاء من ورائك.

    لتمض برفقة دموعي إلى عزلتك يا أخي. إنني أحبّ ذاك الذي يريد أن يبدع ما يفوق منزلته ويمضي هكذا إلى حتفه .-
    نيتشه

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s