الوشاح: أفكار فوضويّة!


على الأقل، تملك شالاً (أي وشاحاً) واحداً، وعلى الأرجح انّه لديك أكثر من واحد. الوشاح ليس مجرّد قطعة من القماش، الذي يملك تصميماً جميلاً، وليس مجرّد قطعة نتدفأ فيها، أو تحمينا من الهواء، الرمل أو حتى المطر. الوشاح الذي نملكه هو قصّة، وليس أيّة قصّة.

by Gerard – Source: 500px.com

.1.

لا أعرف من أين للوشاح هذه الحميميّة التي لا تنتهي. قد يكون لأنّه يُعانق أعناقنا للحظات طويلة. العنق ذلك الفضاء الذي يحمل أسرارنا، وحكايانا، ورغباتنا. هو مرآة الرغبة بأرقى أشكالها. نرتدي الوشاح وكأنّنا بذلك نُخفي بعض من أسرارنا، ونحتفظ بها بعيداً عن عبث العالم الخارجي، وفي الآن عينه، الوشاح معبر آمن لدعوة الغرباء إلى دخول حيّزنا الشخصي – الحميمي. هي أضداد الأعماق عندما تخرج إلى الضوء، وتأخذ مكانها من الوجود. هي الأضداد التي ننبذها في سرّنا، ونلف أعناقنا بها أمام الجميع.

.2.

الوشاح هو فوضى الأعماق، التي تُضفي على مظهرنا الخارجي بعض من الفنتازيا، التي تستطيع أن تضع هذا المظهر في سياقات مختلفة. في هذه الأثناء، إذا كنت لا ترتدي (ن) وشاحاً، تخيّل نفسك، بالملابس ذاتها التي ترتديها، مع وشاحاً يلتف حول عنقك، أو اذهب وضع وشاحاً من خزانتك حول عنقك. وسترى (ين) حجم التغيّر الذي سيطرأ على كل مظهرك الخارجي من جرّاء الوشاح.

by Edward McGowan – Source: 500px.com

هذه قطعة القماش الصغيرة لديها قدرة هائلة، على وضعنا في سياقات لا تستطيع أعتى مصانع الأقمشة أن تضعنا فيها. وكأنّها لغز قديم، سيُرافقنا، كبشر، طيلة فترة إقامتنا على هذا الكوكب. وطبعاً، حل لغز الوشاح ليس من شأن العلم ولا حتّى الأديان الإبراهيميّة الباهتة.

.3.

كما للوشاح قدرة على تحرير مظهرك الخارجي، ووضعه في سياقات مفتوحة، فهو أيضاً يستطيع أن يضعك في إطارات مغلقة. يستطيع أن يكون كالوشم. وقد يكون أكثر وشاحاً اشتهر في السبعين سنة الأخيرة، “الكوفيّة”، التي لم تعد مجرّد وشاحاً مزخرفاً يلبسه الفلاّحون في منطقة شرق المديتراني، بل أصبح رمزاً لقضيّة التحرّر من الإحتلال، وهكذا أصبح مقاومو الإحتلال حول العالم يرتدون “الكوفيّة” كإعلان موقف، وطبعاً في المقابل، يُدمغ هؤلاء بصفة “الإرهاب” من قِبل السلطات والحكومات.

by Hanibaael

وأيضاً للوشاح قوّة غير مرئيّة، رغم قدرته البصريّة على جذب العين إليه. قوّة غير متوقّعة، رغم أنّه مجرّد الياف نسيجيّة خفيفة مترابطة بإتقان. هذا ما يُفسّر ارتداء الأنرشيين والمنتفضين على العسكر للوشاح. ربطه حول اعناقهم، وتغطية جزء من وجههم به أثناء مواجهتهم للسلطة في الشوارع والأزقّة. وكأنّ هذه القطعة درع حديديّ تحميهم من القنابل الدخانيّة التي يرميها باتجاههم عسكر السلطة، ومن جهّة أخرى تُخفي ملامحهم بحيث يصعب على “الأخ الاكبر” تعقّبهم والقاء القبض عليهم.

.4.

الوشاح رافق أعناقنا منذ قرون غابرة، منذ عهد الرومان تقريباً، وربّما قبل ذلك بكثير. لا أعتقد أنّنا عثرنا بعد على الوشاح الأوّل الذي تم ارتدائه، ولكن الذي صمم أوّل وشاح، وارتداه، بماذا كان يُفكّر ويشعر؟ هل انتابه برد الغابات الشاسعة؟ أم غبار الصحراء نهش ملامحه، ما دعاه لابتداع الوشاح كغطاء لعنقه، ووجهه من الرمال المتحرّكة؟

by Link Bekka – Source: 500px.com

هل صممته أنثى حاولت أن تجذب به انتباه أحد رجال القبيلة الأقوياء؟ أم أنّ أحد الرجال صممه قبل ذهابه إلى معركة الصيد اليوميّة، ليكون أداة تمويه تحميه؟ أم صممه وأهداه لإحدى صبايا القبيلة في يوم عيد الأرض؟

لا أحد يجزم، أو ينفي أي من تلك الفرضيّات، وقد يكون الوشاح اختراع جماعي ترافق مع حقبة الوعي الجماعي للأعماق الفرديّة.

.5.

إذا ما أردت الآن أن تتفحّص الوشاحات التي تملكها. ستجد (ين) أنّ أغلبها، إن لم يكن جميعها، مرتبط بقصّة ما خضتها يوماً ما، أو له علاقة بحدث كان له وقعه على حياتك. أو اسأل من حولك ممن يرتدي وشاحاً في هذا اليوم، عن الوشاح الذي يرتديه، وستسمع قصصاً لا تنتهي – ترو ستوري.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s