الصورة بين الزمن القديم وعصر الديجيتال


من منّا لا يعرف البومات الصور التي يكدّسها آبائنا واجدادنا ضمن محتوياتهم الثمينة؟ تلك الالبومات التي تضم صورهم التي غالباً ما تكون بالأبض والأسود. وعادة تلك الالبومات تحتوي على صور العائلة القريبة، والدائرة الأوسع، وأحياناً تمتد لتشمل بعض الجيران. وكم من سهرة قضت عندما يجتمع أفراد الأسرة حول الالبومات للتحدث عن الصور، والذكريات التي ترافقها؟

في السابق، لم يكن أي أحد يملك الكاميرا لالتقاط الصورة. المصوّرون كانوا نادرين جداً. الصورة لم تكن مجرّد صورة آنيّة. الصورة كانت حدث، ومناسبة لها معنى.  كانت مفصلاً ومعبراً لمرحلة جديدة. كان للصورة حميميّة أعمق. هذه الحميميّة يُمكن أن نراها على وجوه آبائنا، واجدادنا. يمكنهم أن يمضوا الليل كلّه للحديث عن صورة واحدة. الصورة هي قصّة، وأحاسيس، وتاريخ.

لم يكن باستطاعتهم التقاط عدّة صور للقطة واحدة. الصور لا تتكرّر، والأخطاء فيها واردة جداً، وامكانيّة اعادة التقاطها شبه مستحيلة. لذا يُحاول الجميع في الصور أن يبدو كما يُحب، ويُريد أن يبدو. وبالتالي صعب أن تجد للشخص الواحد صور بملامح مختلفة، فإن كان شخص “جديّ” فملامحه في جميع صوره ستكون مع عبوس، وشفاه مقطّبة، أما إذا كان مرحاً ففي كل صوره سترى الابتسامة تحتل وجهه. وأيضاً هذا ما يُفسّر لحد ما غلبة “التأنّق” عليهم في الصور. ورغم ذلك، تلك الصور كانت تتمتّع بفطرة قديمة، وغريبة.

وغالباً ما تكون الجلسات المتمحورة حول الصور القديمة أشبه برحلة إلى الزمن القديم، وخفايا لم يكن بمقدورك معرفتها لولا الصور. ستُزيل النقاب عن أسرار لطالما راودتك، وكانت لديك الحشرية لتعرفها. ستكتشف قصص عن جدك، جدتك، عمتك، والد ووالدتك (وغيرهم..) وحتى جيرانك. ستتعرّف على ملامح جدّك عندما كان في عمرك. ستتواصل مع الموضة القديمة. وستعرف شكل الديكور الداخلي للبيت الذي تربّت فيه والدتك، كيف كان يبدو عندما كنت أنت مجرّد فكرة، أو روح هائمة تنتظر العودة إلى هذا الكوكب. ستلتقي بوالدك عندما كان مراهقاً، ومقاتلاً. ستشاهد المدينة التي تُحِب كيف كانت في الخمسينيّات، ولكن ليس من خلال فيلم وثائقي، بل من خلال قصص جدّك، أو عمّك الأكبر.

ولكن عندما دخلت الصورة في عصر الديجيتال، تبدو الصورة اليوم باهتة، باردة، وأقل حقيقيّة. يمكن لأي أحد أن يلتقطها. في أيّة لحظة يُمكن أن نلتقط الصورة، مع مناسبة أو دون مناسبة. والصورة التي لا تعجبنا، نحذفها بأقل من ثانية، ونستمر بتصويرها إلى أن تصبح مثاليّة كما نتوقّع. يُمكننا أن نلتقط للمناسبة الواحدة أكثر من مئة صورة. نلتقط صور إلى أن يصيبنا الملل، ونحوّل المناسبة إلى حدث “صوري”. وبعد أن نلتقط الصورة نوزّعها يميناً ويساراً عبر إعلام الديجيتال. وهكذا تفتقد الصورة جزءاً من كينونتها كصورة، لتصبح “مادّة” بصريّة يتداولها الجميع.

***

الصور القديمة تأخذك إلى عالم آخر، ومختلف يضج بالنوستالجيا. تجعلك تتمنّى لو أنّك كنت معهم عند التقاط تلك الصور، لتشعر بذلك الدفء الذي كانوا يتمتّعون به، والبساطة التي كانت معبراً لخوض كل شيء.

ملاحظة: بعد قراءة هذا النص، حاول أن تعود إلى البومات الصور الخاصة بعائلتك (والدك و والدتك، جدّك وجدّتك. تأمّل تلك الصور، واسأل عن القصص التي تقف ورائها.. 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “الصورة بين الزمن القديم وعصر الديجيتال”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s