كيف يؤثّر الإعلام الاجتماعي على القضايا الحيّة في لبنان؟


لا شكّ أنّ النضال الاجتماعي – السياسي يعيش في حالة من الفوضى، في ظل انتشار وسائل الإعلام الإجتماعي. هذه الفوضى ليست مقتصرة على منطقة واحدة من العالم دون غيرها. هي حالة عامة، ولكن نسبة الفوضى تتراوح بين دولة واخرى. وطبعاً، لبنان في مقدّمة الدول الأكثر فوضويّة، والأقل فعاليّة.

كثيرة هي إيجابيّات الإعلام الإجتماعي، فهو ساهم لحد بعيد في إبراز قضايا كان مسكوت عنها في السابق، أو مطمورة تحت الأرض، كما أنّها سهّلت التواصل بين مجموعات إنسانيّة كانت في السابق غير قادرة على التواصل، ولكن لهذه الوسائل جانب مظلم، وغير بنّاء، كان قد أضاء على بعض منها الصديق طوني صغبيني (مدوّنة نينار)، في عدد من المقالات ضمن سلسلة “العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة“، وهنا أُضيف عدد من النقاط، خصوصاً وأنّ التأثير السلبي بدأ يظهر أكثر فأكثر في السنة الأخيرة.

تشتيت القضايا

إنّ الإعلام الإجتماعي بقدر ما ساهم بارتفاع صوت الفرد الواحد، بقدر ما ساهم في تشتيت القضايا، وفي أماكن أخرى تمييعها. فهو أعطى كل فرد القدرة على المبادرة، والدعوة إلى أي تحرّك احتجاجي يراه من منظوره بأنّه مناسب. المسألة هنا لا ترتبط بالحريّة الممنوحة  لهذا الفرد، بل في غياب الرؤية وخطة العمل الواضحة لدى مطلقو الحملات والمبادرات، وأحياناً إفتقاد مطلقو الحملات إلى الحد الأدنى من المهارات التنظيميّة.

هكذا تخرج قضايا إلى الضوء، لتموت بعد فترة وجيزة، عند برود الحماس الذي رافق إطلاق المبادرة، لتصبح في النهاية هذه “المبادرة” مجرّد صفحة فايسبوك غير فاعلة. (أنظر إلى كميّة الصفحات التي تدعم بعض القضايا بين صفحاتك على الفايسبوك، وستجد أنّ الكثير منها صفحات غير فاعلة، وكأنّ تلك القضايا تم تحقيقها).

وفي ظل غياب حركات مدنيّة عندها القدرة على احتضان المبادرات الفرديّة، ولديها الرؤية التي تعمل من خلالها، والقدرة على تحقيق أهداف طويلة الأمد، تصبح، للاسف، هذه المبادرات الفرديّة مجرّد مبادرات يتيمة غير فعّالة، وفوضويّة.

كما أنّ المسألة لا تتوقّف عند هذا الحد. عادة ما تخرج العديد من المبادرات التي تحمل الهدف ذاته، ولكن تعمل كل منها على حدا، وهذا ما أدّى، ويؤدّي إلى تفتيت القضايا، وإضاعة الجهود.

وإذا ما صادفت وأن عرفت تلك المجموعات ببعضها البعض، فهي ستقوم بالتنسيق فيما بينها. ولكن، في أغلب الأحيان لا يؤدّي ذلك التعاون إلى أي مكان، خصوصاً وأنّ تلك المجموعات (المؤلّفة من أشخاص) لا تمتلك رؤيّة تعمل من خلالها، ولا خطّة عمل تتحرّك على أساسها، كما أنّ الخصومات الشخصيّة وتضارب المصالح بين هذه المجموعات سيؤدّي إلى إيقاف العمل بالمبادرة، وبالتالي إغلاق القضيّة، وكأنّ شيئاً لم يكن!

غياب التركيز

إضافة إلى تشتيت القضايا، ساهم الإعلام الإجتماعي لحد بعيد في إنشاء حالة من غياب التركيز في صفوف الناشطين. قدرة كل فرد على “المبادرة للعمل من أجل قضيّة ما” خلق الآلاف من القضايا والأنشطة. ففي اليوم الواحد، كل ناشط، أو من يعتبر نفسه أنّه ناشط أصبح معرّضاً لعشرات من القضايا اليوميّة، التي تبدأ في المطالبة بحماية حديقة في مدينته وصولاً إلى دعم حركة “احتلوا وول ستريت” في الولايات المتّحدة، مروراً بقوانين منع التدخين، قمع الحريّات، هدم الأبنية التراثيّة، المطالبة بالكهرباء، تحرير فلسطين، دعم الإنتفاضة السوريّة، الدفاع عن حقوق العمّال الأجانب، وغيرها من القضايا التي إذا ما أردنا تعدادها لن ننتهي.

هذا الكم الهائل من القضايا لا يُمكن لناشط واحد أن يقوم بمتابعة جميعها، إذا ما اعتبرنا أنّه يُريد أن يُغيّر بشكل حقيقي، وفاعل، وهذا ما يقود الناشطون إلى عدم التركيز على القضايا، وضياع جهودهم. كما أنّ هذه الكميّات الهائلة من “القضايا” على الفايسبوك، أدّى لظهور نوع جديد من النضال، وهو النضال المتمثّل بزر “اللايك” الذي يُمكن من خلاله تحقيق كل القضايا، بما فيها تحرير فلسطين.

غياب المسؤوليّة

أما ما يُعتبر خطراً كبيراً يُشكّله الإعلام الإجتماعي على النضال الإجتماعي- السياسي هو غياب المسؤوليّة عند الفشل. من يَذكُر “حملة إسقاط النظام الطائفي” في لبنان؟ إذا ما استطاع أحدكم أن يتذكّرها، ليُخبرنا قليلاً عن هذه الحملة، وأينَ أصبحت اليوم، بعد عام على إطلاقها؟

طبعاً قد يتذكّرها البعض، ولكن نشكّ أن يكون أي أحد قادراً على إخبارنا أين تبخّرت الحملة، عدا عن إنجازاتها. لسنا هنا في صدد البحث عن الحملة (بالمناسبة من الجيّد أنّها انتهت)، ولكن نريد أن نسأل على من تقع مسؤوليّة الفشل الذريع لهذه الحملة؟ علماً أنّ الفشل الأكبر هو عدم الاستغلال المناسب للحظة التاريخيّة التي مرّ بها العالم العربي في تلك الأثناء، والتعاطي مع هذه اللحظة بمراهقة غير مُثمرة.

أكثر ما أتذكّره عن تلك الحملة أنّه عند بدايتها كان الجميع عرّابيها، من يساريين، شيوعيين، مدوّنين، ناشطين مستقلين، ومتسلّقين. ولكن مع انسداد أفق الحملة، التي تحوّلت إلى حفلات استعراض والتقاط صور، بحسب أغنية الطفّار الأخيرة، بدأ الجميع بالتنصّل من المسؤوليّة عن الحملة، وأصبحت تبدو لحد بعيد أنّها وُلدت من عدم، كالمعجزة.

في هذه الحالة، من المسؤول؟ من يُحاسَب؟ ومن يُحاسِب؟ طبعاً هذه الأسئلة تبدو مزحة سمجة بالنسبة لعرّابي الحملة، والدليل أنّهم اليوم يأخذون قضيّة أخرى ليقوموا بتمييعها، وإفشالها.

 

ماذا لو مات الفايسبوك؟

استطاع الإعلام الاجتماعي أن يُساهم في تواصل الناشطون أثناء الإنتفاضات العربيّة. وإيقاف الإنترنت على سبيل المثال أثناء الثورة المصريّة، زاد من عدد المحتجين في الشوارع، كونهم أصبحوا بلا مصدر للأخبار والمعلومات، هكذا خرجوا بذاتهم إلى الشارع ليُعرفوا الأخبار، ويُساهموا في صناعتها حتى.

ولكن ماذا عن لبنان؟ عند كتابتي هذه الأسطر طرأ سؤال على رأسي، وهو ماذا لو مات الفايسبوك؟ ماذا يبقى من النضال المدني في لبنان؟ وبسؤال أكثر واقعيّة ماذا لو أنقطعت الكهرباء لأسبوع، ماذا سيبقى من القضايا؟

هذا السؤال يحمل إجابته في طيّاته، ونُضيف أنّ حصر النضال بالإعلام الاجتماعي يعني حصر النضال بفئة محددة من الناس، وعدم القدرة على الوصول إلى الفئات المختلفة من الناس المعنيّة في هذه القضايا. يبدو أنّ الناشطين قد نسوا أنّ ليس الجميع يملكون الإنترنت، وليس الجميع على الفايسبوك!

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “كيف يؤثّر الإعلام الاجتماعي على القضايا الحيّة في لبنان؟”

  1. تحية هاني،
    أتفق معك و مع طوني قبلها بخصوص الدور الهامشي لفيس بوك حتى الآن في التحركات الإجتماعية اللبنانية. و لكنني أعتقد أن فشل بعض التحركات الشعبية يعود بأننا كان لدينا تطلعات كبيرة حول فيس بوك و الإعلام الإجتماعي.
    أصبحنا ننظر إلى فيس بوك و تويتر و المدونات و غيرها كما لو أنها صانعة الأحداث بشكل حصري، و نسينا بأنها ليست سوى وسائل تكنولوجية إعلامية جديدة، أي مثلها مثل التلفزيون و الراديو و الصحف.
    لم يحدث يوم في لبنان أن صحيفة أو تلفزيون تمكنت من قلب النظام، و كذلك لن تتمكن وسائل الإعلام الإجتماعي من ذلك.
    التحركات الشعبية و المطلبية يجب أن تستخدم وسائل الإعلام الإجتماعي، ليس فحسب من أجل بث أخبارها، بل أيضًا من أجل إيجاد منصة ما زالت بعيدة عن الرقابة من أجل النقاش الحرّ و إيجاد أو تطوير أفكارها.
    و لكن كل هذا يحتاج إلى مؤسسة خلفه لتبلوره على أرض الواقع: جمعية مثلا أو حزب سياسي… و هذا ما ينقص في نظري في لبنان، حضن واقعي (أو أحضان)، ليس إعلامي فحسب، ليوحّد تطلعات اللبنانيين.

    أعجبني

  2. القط، تحياتي الك!
    بالضبط. المشكلة عندما تحوّل الاعلام الاجتماعي من اداة إلى محور. وطبعاً الحاجة هو لتنظيم يحمل رؤية يعمل من خلالها.

    خلينا نشوفك🙂

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s