غرافيتي النيل: الثورة مستمرّة ضد العسكر (3/2)


الغرافيتي والإنتفاضات العربيّة

الجزء الثاني: غرافيتي النيل، الثورة مستمرّة ضد العسكر (3/2)

 هنا تجدون الجزء الأوّل من تجربة الغرافيتي المصري

غرافيتي النيل: الشارع بيتكلّم ثورة! (3/1)

***

غرافيتي ما بعد الثورة

الثورة المصريّة لم تنتهي مع خلع مُبارك. قد تكون بدأت مع اقتلاعه، خصوصاً بعد أن استولى العسكر على السلطة. استمرّ مشهد القمع في المدن والقرى وكأنّ شيئاً لم يكن. هبط الحراك الشعبي بشكل واضح، خصوصاً مع خروج الإسلاميين (الإخوانيين والسلفيين)، الذين يشكّلون الشريحة الأوسع، من المشهد العام للشارع. بالنسبة لهم، لا مانع من استمرار قبضة المجلس العسكري على الحكم، بما أنّهم سيحصلون على الأغلبيّة في الانتخابات الجديدة. وهكذا، لم يبقى في الشارع إلاّ الرافضين لحكم العسكري والديني على حدٍ سواء، من مدنيين، علمانيين، ليبراليين ويساريين.

المصدر: مدوّنة Suzee in The city

في هذه الأثناء كانت المواجهة محتدمة أكثر بين القوى المدنيّة الرافضة لحكم العسكر والمجلس العسكري. . وبعد أن كان المجلس العسكري، أو SCAF حسب الاختصار الإنكليزي له، حائز على احترام الشعب المصري، وشبه “مقدّس”، أصبح هو الهدف التالي لحملات الغرافيتي في الشارع. وقد تُرجمت هذه المواجهة في الأعمال البصريّة التي تصاعدت حدّتها بشكل ملحوظ.

وبعد أن استولى مُبارك ورموز نظامه في السابق على الجدران. يغيب اليوم بشكل لافت. الآن، جاء دور المشير الطنطاوي، القائد الأعلى للقوات المسلّحة، ورموز “المجلس” ليحتلوا المكان. أعمال الغرافيتي مركّزة مباشرة عليهم.

المصدر: مدوّنة Suzee in The city

أحد أعمال الغرافيتي شبّهت أحد قادة المجلس العسكري، الذي اشتهر بقراءة البيانات للشعب المصري، بالدكتاتور المخلوع معمّر القذّافي، حيث رُسم مع بذلته العسكريّة، رافعاً سبّابته إلى الأعلى مع سؤال “من أنتم؟” الذي يُعتبر من أشهر الأسئلة التي وجهها القذافي إلى ثوّار ليبيا. أما قائد الشرطة العسكريّة حمدي بدين، المُتّهم بقتل الثوّار، فقد أصبح، بحِكم إحدى الجداريّات، “مطلوب للمحاكمة”، وفي جداريّة اخرى رُسمت صورته مع عبارة “إعرف عدوّك”.

إضافة إلى أعمال غرافيتي متفرّقة هنا وهناك، تصب غضبها عليه، مطالبة إياه بالرحيل، مثل العمل البصري “رسالة رقم (1) من الشعب المصري إلى مجلس العسكر: إرحل”. وهي تشبه إلى حد بعيد الرسالة رقم واحد التي أطلقتها الاحتجاجات بوجه مبارك ونظامه عند بدء الثورة السلميّة.

المصدر: مدوّنة Suzee in The City

وفي إشارة إلى عودة القمع الأمني في شوارع المدن المصريّة، لم يكن من ناشطي الغرافيتي إلا أن قاموا بالتعبير عن ذلك عبر عمل آخر يُمثّل صورة عنصر أمن يحمل هراوة، مع عبارة “و رجعنا”، إذ فعلاً رجع الأمن إلى الشارع، وهذه المرّة بعنف وكراهيّة أكبر من السابق.وكأنّهم كانوا في “استراحة المُحَارِب”. وطبعاً، لم يغب حس الفكاهة والسخرية، التي يشتهر بهما المصريين، عن مشهد الغرافيتي، إذ انتشرت عدد من الأعمال الساخرة، مثل رسم قنبلة الدخان مع عبارة “وحشتيني”. إضافة لعمل آخر يُمثّل مواطن مصري يرفع يديه إلى السماء مع عبارة “غاز وخرطوش ورصاص، أحمدك يا رب”، وذلك في إشارة ساخرة على استخدام القوى الأمنيّة للغازات السامة والرصاص ضد المتظاهرين ضد الحكم العسكري.

كما أن هذه “العودة”، أي عودة الأمن، ترافقت مع اعتقالات لناشطين سياسييّن، مثل علاء عبد الفتّاح وعمر البحيري اللذان اعتقلا في السجن الحربي بسبب مشاركتهما في الثورة. وكغيرهم من الرموز، وجدت وجوههم وملامحهم طريقها إلى سجل جدران الشوارع.

المصدر: مدوّنة Suzee in The City

ومن الواضح أنّ المجلس العسكري لم يستطع المحافظة على الحد الأدنى من الثقة والاحترام اللذان كان يكنّهما له المواطن المصري. فخلال سنة واحدة تقريباً، استطاع أن يُدمّر تلك العلاقة التي وُثّقت على مدى نصف قرن تقريباً. ويبدو أنّه ماضٍ لإزالة تلك الثقة من ذهن كل مواطن مصري. حتّى أنّ شعار “الشعب والجيش ايد واحدة، الذي ظهر بين المحجين في ميدان التحرير قُبيل سقوط نظام مُبارك، سقط من العلاقة. وقد تكون جداريّة “الشعب والشعب ايد واحدة” الذي ظهر في الشوارع المحيطة بميدان التحرير غداة تكرّر هجمات الأمن على المتظاهرين هناك، يؤكّد على إنفراط العلاقة بين الشعب والجيش.

المصدر: مدوّنة Suzee in The City

أما أكثر أعمال الغرافيتي التي تُمثّل الحالة التي تعيشها بلاد النيل حالياً، من “التحالف الصامت” ما بين العسكر والإسلاميين فهو العمل، الذي قام به الناشط المعروف باسم “التنّين” على جدران شارع قصر النيل، حيث رسم المشير الطنطاوي، ببذلته العسكريّة، مع لحية طويلة، تُماثل اللحية التي عادة ما يُربّيها السلفيين. وكأنّ العسكر والإسلاميين لم يعودوا طرفين، بل مجرّد جسد واحد يُشكّل النظام القمعي الجديد الذي يحكم البلاد.

الثورة مستمرّة

لذا، شعار “الثورة مستمرّة”  (أحد رسوم الستنسيل)، كان عنواناً آخراً لحملات الغرافيتي، الغير منسّقة، التي ترافقت مع التحرّكات الميدانيّة في الشارع. وقد ارتكزت تلك الجداريّات (التالية) على ضرورة استكمال الثورة حتّى النهاية لأنّ “الثورة أولاً”، “الثائر الحق هو من: يُكمل ثورته”، و”للثورة ثوّار يحمُونَها”، “الحريّة جاية لا بدّ”، وأكثر لأنّ “شعب يصنع نصف ثورة، شعب حيتفشّخ (سيلوى رأسه)”.

المصدر: مدوّنة Suzee in The City

واستكمالاً للثورة، عادت الاحتجاجات في تشرين الثاني 2011، إلى ميدان التحرير، وطبعاً العسكر كان موجوداً هناك. هذه المرّة لم يقوموا بقتل المتظاهرين السلميين، ولكنّهم قاموا بإطلاق النار على عيونهم. وهكذا، فقد الكثير من شبّان وشابات مصر إحدى عيونهم (حرفيّاً) في معركة حريّة البلاد.

هكذا حدث لن يمرّ مرور الكرام. هذا ما قرّره الناشطون والناشطات. إذ قاموا بحملة غرافيتي على جدران الجامعة الأميركيّة في القاهرة[1]، ارّخوا خلالها لهذا الحدث المفصلي الذي يُعتبر إنتقالاً للمرحلة الثانية من الثورة، حيث رسموا جداريّة ضخمة مؤلّفة من 8 وجوه للشبّان والشابات الذين فقدوا إحدى عيونهم أثناء تلك المواجهة. وكذلك رسم أحدهم صورة الشاب أحمد حرارة الذي أفقده الأمن عيناه الإثنان، ولكن بدل عيناه كُتب عبارة “28 يناير”، إشارة إلى تاريخ إنطلاق “الثورة الأولى”.

أما أثناء الإنتخابات البرلمانيّة، التي فاز أثنائها الإسلاميين بغالبيّة أعضاء المجلس، فقد استخدم الناشطون الجدران كحملة إنتخابيّة: “انتخبوا الثورة” وهو شعار موجّه في الدرجة الأولى إلى الحركات الإسلاميّة التي خرجت من الثورة، ودخلت في “حلف صامت” مع العسكر. إضافة إلى عدد شعارات الحائط الموجّهة تحديداً إلى حركة “الأسلمة”، إذ كتب أحدهم: “مصر لن تكونَ افغانستان اخرى”.

وتستمر الثورة برموزها التاريخيّة أيضاً. هكذا في عيد ميلاد الفنان الراحل الشيخ إمام، رسم أحدهم ملامح الشيخ إمام مع عوده، كتحيّة لروحه التي الهمت أجيالاً من الثوّار.


[1] – كما أنّ أعمال الغرافيتي لا تغيب عن الجدران المحيطة بالجامعة الأميركيّة في بيروت، التي تعتبر مرتعاً مركزيّاً للرسائل ذات البعد الاجتماعي-الثقافي والسياسي.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “غرافيتي النيل: الثورة مستمرّة ضد العسكر (3/2)”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s