غرافيتي النيل: الشارع بيتكلّم ثورة! (3/1)


الغرافيتي والإنتفاضات العربيّة

الجزء الأول: غرافيتي النيل، الشارع بيتكلّم ثورة!

قد تُعتبر تجربة الغرافيتي المصريّة أكثر التجارب المتقدّمة في عالم ما بين الأزرقين. وهذا يُعتبر طبيعي في مجتمع يتخطى تعداده الخمسة وثمانين مليون نسمة. ولكن ما الذي يجعل فعلاً التجربة المصريّة مختلفة عن غيرها من التجارب العربيّة؟

الرسم والكتابة على الجدران في مصر ليست عادة طارئة على هذه الحضارة التي تمتد إلى الآف السنين قبل الميلاد. إذ اعتبرت تلك الفنون أبرز عنصر من عناصر الطقوس الدينيّة والثقافية في الحضارة القديمة لمصر. ولوهلة، تبدو حركة الغرافيتي المصريّة وكأنّها امتداد لتلك الروح القديمة. جذورها في أعماق تاريخ مصر، وغصونها في قلب القرن الحادي والعشرين.

وإن كانت الرسوم القديمة على الجدران هي تعبير عن طقوس دينيّة، وتحمل في طيّاتها الفرح، الموسيقى والرقص للآلهة (الجميلة)، فالغرافيتي الحديث مازال يحمل تلك الروح التي تضجّ بها مصر القديمة.

من مدوّنة Suzee in the City

مع بدء ثورة 25 يناير، وهي التسمية المحليّة للثورة المصريّة، تفاعل ناشطو وفنانو الغرافيتي مع الأحداث. كل يوم بيومه. وكل حدث بحدثه. السلطة تقمع في الشارع، وهُم يردّون على طريقتهم على جدران مدنهم. الأمن يغتال أحد الشبان. في اليوم الثاني، يتحوّل ذلك الشاب إلى رمز تنتشر رسومه على جدران القاهرة، الاسكندريّة، المنصورة، وغيرها من المدن المصريّة التي حوّل الشباب والشابات جدرانها إلى مساحة من الحريّة الغير مشروطة. لا شكّ أن الثورة هناك  استطاعت إخراج المسكوت عنه من الخزانة، وإطلاقه في فضاء النيل. هكذا، أصبحت الجدران ميدان تحرير آخر.

فنون الشارع في مصر تتراوح ما بين أعمال الغرافيتي و”الستنسيل”. ولكل ناشط غرافيتي طريقته الخاصة في التعبير، بحيث يُمكن معرفة صاحب العمل حتى عندما لا يقوم بوضع توقيعه عليه، أو حتّى دون أن بتبنّاه على شبكة الانترنت. خصوصاً، وأنّ بعض الناشطين والناشطات يستخدمون عبارات أو شخصيّات محددة، أصبحت مع الوقت جزءاً من أسلوبهم. وهذا ما أغنى تجربة الغرافيتي هناك، خصوصاً على الصعيد الإجتماعي- الثقافي، السياسي، والبصري.

***

الشهداء أوّلاً!

هذه المرّة الناس كانوا من يحددون السقف. سقف كل شيء. قلبوا المعادلة على طريقتهم. رفضوا أن يبقوا مجرّد أرقام “قوميّة” في سجلات النظام وأدواته الأمنيّة. وقد يكون الفيلم القصير “رقم قومي” لأحد المخرجين الشباب الذي صدر منذ ثلاث سنوات تقريباً، الأكثر تعبيراً عن حال المواطن المصري قبل نشوء الثورة.

ما حاولت الدكتاتوريّة أن تصوغه طيلة عقود من “تجهيل” للناس، واعتبارهم مجرّد إحصائيّة لا صوت لها، أو هويّة. إنهار مع بدء الثورة.

جداريّة لشهداء الثورة المصريّة. المصدر: مدوّنة Suzee in the City

لذا، لم يعد الإنسان المصري مجرّد رقم أو إحصائيّة. بل أصبح لكل إنسان حياة. ومن يُقتل في المظاهرات على أيدي الأمن، يُسمى باسمه. وتُسرد قصّته في كل مكان، تأكيداً على أنّ من قتل في المعركة اللاعنفيّة ضد النظام، ليس مجهول الهويّة. وهذا ما تركّزت عليه أعمال الغرافيتي، وقد تكون أبرزها الحملة التي قام بها الناشط الذي يُعرف باسم “جنزير”، وهدفت إلى رسم وجوه الشهداء واسمائهم في أنحاء العاصمة.

وجوه شهداء الثورة أصبحت معلم من معالم الحياة اليوميّة للشارع المصري. وقد يكون أبرز رمز للشهداء الشاب “خالد سعيد” الذي عُذّب وقُتِل في أقبية الاعتقال في مدينة الأسكندريّة. واليوم، صورته تتوزّعها جدران مدينته ومدن أخرى. أما رسم الشهيد الشاب “إسلام رأفت” الذي دهسته سيّارة الأمن قرب وزارة الداخلية في القاهرة، في 28 كانون الثاني، أي في اليوم الأول لإنطلاق الثورة، يُعتبر كتأريخ مفصلي في تاريخ مصر الحديث.

وطبعاً، العبارات الممجّدة للشهداء، وواعدةً لهم بعد النسيان منتشرة في أنحاء مختلفة، وكأنّ الناشطون والناشطات بذلك يؤكدون لذاتهم، قبل غيرهم، أنّ للشهداء حق عليهم، في المستقبل القادم للبلاد.

البقرة الضاحكة إلى الواجهة!

عُرف الدكتاتور المخلوع حُسني مُبارك لفترة طويلة بين أبناء الشعب المصري بالبقرة الضاحكة  (La vache Quit Rit)، التي هي رمز الجبنة الفرنسيّة الشهيرة. وبما أنّ كل ما هو شعبي، يكون له امتداده في الفنون، كان من الطبيعي أن يخرج هذا الرمز من الحيّز “الصوتي” إلى المجال البصري، ضمن حملة كسر الهيبة التي شنّتها الحركة الشعبيّة ضد النظام ورموزه، وعلى رأسهم مُبارك. فقام أحد رسّامو الغرافيتي برسم وجه البقرة الضاحكة مع شعار الحزب الوطني الحاكم، في إشارة إلى مُبارك وحاشيّته[1].

مبارك: البقرة الضاحكة

***

كانَ مُصِر. المصدر: مدوّنة Suzee in the City

وإضافة إلى ذلك الرسم، اجتاحت رسوم الغرافيتي التي تطال مُبارك شوارع المدن المصريّة. وكان أبرز تلك الرسوم، العمل البصري الذي يتكوّن من ملامح وجه مُبارك مع عبارة “مُصِر”[2]، عندما كان مازال متمسّكاً بالسلطة رغم اشتداد الحملة الشعبيّة ضده. أما بعد خلعه عن سُدّة الحكم، ظهرت النسخة الثانية من هذا العمل، إذا بقي كما هو، ولكن العبارة أصبحت “كانَ مُصِر”.

أنا بلطجي. المصدر: مدوّنة Suzee in the City

أما لقب “بلطجي”، فعادة ما كان يترافق مع صورة مُبارك، أو صور رمزيّة لجنود الأمن مع عبارة “الداخليّة بلطجيّة” (في إشارة إلى بلطجيّة وزارة الداخلية) الذي انتشر على الجدران الشوارع المؤدّية إلى ميدان التحرير. وكما أي ثورة تقوم ضد نظام ما، خرجت أصوات تُدافع عن النظام بكل ما عنفوان. لذا لم يتورّع بعض “فنانو النظام” عن وصف الثوّار بالبلطجيّة. وعليه، جاء الرد على جدران القاهرة، إذ رسم أحدهم متظاهراً يحمل العلم المصري مع عبارة “لو بيقولوا عالثوار بلطجيّة ففخر لي أن أقول: أنا بلطجي”.

[1] –  تلقّى هذا الرسام اتصالاً من الوكالة التي تنفّذ الإعلانات لهذه الشركة حيث أخبرته بأنّ استخدام هذا الرمز بهذه الطريقة يُسيء إلى سمعة الرمز والمُنتَج، ويجعل الأطفال غير سعيدين بذلك.

[2] – ظهر هذا العمل أيضاً في شوارع مدينة بيروت.

الجزء الثاني عن الغرافيتي المصري يُنشر الخميس القادم على صفحات المدوّنة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “غرافيتي النيل: الشارع بيتكلّم ثورة! (3/1)”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s