الصدريّة الزرقاء ضدّ النظام!


مشهد العسكر، في ميدان التحرير القاهري، وهم يقومون بضرب، سحل، وتعرية تلك الشابة التي أصبحت تُعرف بـ”الفتاة ذات الصدريّة الزرقاء” استطاع دون جهد أو عناء أن يأخذ حيّذه من ذاكرتنا الجماعيّة. وذلك ليس فقط لأنّ المشهد يختزن كميّة كراهيّة وعنف استثنائيين. استطاعت هذه الصورة اختزال حقبات طويلة من سيطرة الذكوريّة على منطق التاريخ، الذي نعيشه.

أراد هؤلاء العسكر بعنفهم الذي بدا غير محدوداً أن يؤكدوا أنّهم مازالوا مُسيطرون على المشهد بكل عناصره: الميدان، الهواء، الحركة.. والأجساد. تعريتهم لتلك الشابة (التي لا نعرف اسمها بعد)، كان محاولة ليقولوا أنّ جسد الأنثى سيبقى تحت رحمتهم، وسلطتهم الهشّة.

تلك الصورة التي تناقلها الإعلام، بشقّيه الكلاسيكي والإجتماعي، وكان لها وقعها على العالم أجمع، لم تَعُد مجرّد صورة. والفتاة بصدريّتها الزرقاء، أيّاً كان اسمها، لم تَعُد مُجرّد أنثى تم الاعتداء عليها مِن قِبَل حفنة من الفاشيين.

لحظة التقاط تلك الصورة، رمزاً مُقاوماً جديداً كان يتشكّل، ويخرج إلى الضوء ليُعلن عن بدء معركة اخرى ضد النظام. ولكن هذه المرّة المعركة ليست ضد سلطة العسكر فقط. هي معركة الجسد وحريّته ضد نظام الذكوريّة، الاستبداد والقمع: العسكرة والاسلمة.

غرافيتي التنين في القاهرة

لذا، ليس غريباً أن يُلهم الرمز الجديد “الصدريّة الزرقاء” الناشطون في مناطق مختلفة من العالم. إحدى الناشطات في الولايات المتّحدة تظاهرت بـ”صدريّة زرقاء” أمام سفارة مصر في واشنطن. في القاهرة، ابتدع الرسام الغرافيتي والناشط المعروف باسم”التنين” شخصيّة “المرأة الخارقة” المرتدية للصدريّة الزرقاء، ورسمها على جدران الشوارع المحيطة بميدان التحرير مع عبارة “مستمرة”، إشارة منه إلى أنّ الثورة مستمرّة، ولن تتوقّف.

غرافيتي "الصدريّة الزرقاء ضد النظام!" في بيروت

أما في بيروت، الحاضرة دوماً في مشهد مقاومة الاستبداد، تلّقف الناشطون فيها الرمز الجديد، حيث قاموا، في شطري المدينة الغربي والشرقي، بحملة غرافيتي “الصدريّة الزرقاء ضد النظام!”. وهي من حملات الغرافيتي القليلة التي انتشرت في شطري المدينة، على عكس الحملات السابقة التي كانت تنحصر في أحياء رأس بيروت، وشارع الحمرا.

هي معركة طويلة ضد النظام بكل بنيانه الذكوريّة البطريركيّة- التنميطيّة. والثورة التي بدأت للتوّ في مصر، لا تنحصر هناك في ميدان التحرير. وظهور غرافيتي “الصدريّة الزرقاء ضد النظام!” على جدران بيروت، يؤكد من جديد أنّ ما حدث في القاهرة لا يبقى في القاهرة، وما سيجري في بيروت لن يبقى في بيروت.

***

معركة رموز أيضاً!

الرمز هو كثافة لحظة، ذاكرة جماعيّة، ومصدر إلهام. ولأنّ معركة الحريّات ضد “النظام” هي معركة رموز أيضاً. لم تغب الرموز عن حركات التحرر العالميّة.

أثناء المظاهرة النسويّة في مدينة اتلانتيك الأميركية

في اواخر ستينيّات القرن الماضي (1969)، قامت الحركة النسويّة الراديكاليّة في الولايات المتّحدة باعتصام أمام المقر الذي تجري فيه مسابقة “ملكة جمال الولايات المتحدة” في مدينة اتلانتيك، كونَ هذه المسابقة تعتبر إهانة للمرأة، تنميط لها، وإخضاع لجسدها للمعايير الذكوريّة. حينها، رمين عدد من “المنتوجات النسائيّة”، ومن بينها الصدريّة، كرموز لاضطهاد المرأة، في السلّة التي أطلقن عليها هذا الأسم: “freedom trash can”.

هذه الحادثة تكررت في أماكن مختلفة من العالم، خصوصاً في أوروبا الغربيّة وشمال أميركا (الولايات المتّحدة وكندا)، حيث ناهضت الحركة النسويّة الصدريّة كأحد رموز اضطهاد المرأة، والاستحواذ على حريّة جسدها.

اليوم، وبعد مُضي أكثر من أربعة عقود على هذه الحادثة، يتغيّر موقع الرمز. إذ تتحوّل “الصدريّة” بلونها الأزرق، إلى أحد رموز مقاومة النظام الذكوري. المُفارقة أنّ “الفتاة ذات الصدريّة الزرقاء” هي منقّبة. هذا “التضاد” في الصورة، لا يعكس سوى صورة واحدة. أنّ الشخص الذي تعرّض لهذا الكم البشع من العنف هو أنثى. ارتدائها للنقاب لم يلغي أنّها أنثى، كما يُريد الإسلاميين. ولا يُلغي أنّها بصدريّتها الزرقاء أصبحت أحد رموز مقاومة النظام.

هي معركة بدأت للتوّ.. 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “الصدريّة الزرقاء ضدّ النظام!”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s