ارتباك


اليوم كان ماطراً. ومازال. لن يُدخّن السيجارة التي تعوّد أن يدخّنها في طريقه من مكتبه إلى القطار. عند المطر، لا وقت للاستمتاع بالسيجارة، أو المشي البطيء ليُراقب كل ما تقع عليه عينيه، وأذنيه. سيركض قدر مستطاعه نحو محطة القطار، محتمياً بالاشجار. هو لا يؤمن بالمظلات. ناصبها العداء منذ صغره. عندما احتمى بأول شجرة، تذكّر الجدل البيزنطي الذي كان بينه وبين امه، الذي كان يترافق مع كل “كمشة مطر” تنهمر على المدينة، إذ كانت تقنعه بكل الوسائل المتاحة ليحمل المظلة. وفي المرّات القليلة، التي حمل فيها تلك المظلة اللعينة، كان ينساها حيث يذهب. هي طارئة على عالمه وأشيائه التي ترافقه بشكل دائم. وحتى عندما كان يحملها، كانت تبدو غير مناسبة له. كان يبدو غريباً بالمظلة. وهذا ما كان يزعجه. كان مقتنعاً، ومازال، بأنّ المطر يجعله أكثر دفئاً وحقيقية. يجعله أكثر التصاقاً بذاته. كيف يفوّت هذه الفرصة، ويزعج نفسه بمظلّة بلهاء. هكذا، كان يتبلل عن طيب خاطر بمطر مدينته.

Source: Flickr by CubaGallery

في هذه اللحظة، بدت له هذه الأيام بعيدة. وفي الآن عينه، تسكنه. شرد لثوانٍ في دواخله. هي الجدليّة التي لا تنتهي، تتكرر عند كل مفترق طريق. تراوده بتدفق غريب. لم يستطع منع ذاته من تأمّل العابرين المظللين في طريقهم إلى المحطّة. كان المشهد غريباً بالنسبة له. أما هو فقد كان أشبه بكائن سريالي في نظر كل هؤلاء. قرأ ذلك في عيونهم. ولكنّه لم يكترث كثيراً. ومشى. هذه المرّة كان سريعاً. لم يعد يحتمل المطر الغزير. وقبل أن يلتهمه البلل، وصل إلى المحطة.

هناك، في انتظار القطار. حدث الكثير. لأوّل مرّة كان المشهد مختلفاً عن السابق. كل شيء تقريباً. ملامح الناس. حركتهم. بائع التذاكر. الشرطي. وحتّى الطاقة الأثيريّة للمكان. استطاع أن يشعر بكل هؤلاء. فرحة نادرة كانت تتجوّل في أنحاء جسده. “هذه آثار المطر”. لم يُفكّر إن كان سيبدأ بالحديث إلى الشاب الأفريقي الذي يقف بجانبه. لأنّه بدأه للتوّ. كان الحديث وكأنّه استكمال لحديث بدآه قبل عام. كان الكلام سريعاً، خفيفاً، حيّاً، كالمطر تماماً.

لم يكن وحده من فعل ذلك. الجميع كانوا يتحدثون إلى بعضهم البعض. لم تكن ثرثرة كالتي اعتاد عليها في السابق. كان تواصلاً حقيقيّاً. الجميع يستخدم ملامح وجهه ليُعبّر عن ما تختلج به روحه. لم يعد أحد يشبه أحد. الكل مختلف. الكل له طريقته الخاصة بالفرح، الاحتفال، وركوب القطار. “وكأنّ المطر مسح غبار التشابه عن وجوههم. أخرجهم من أقبيتهم الداخليّة، وأطلقهم في فضاء من الشغف”. هذا ما قاله لنفسه عندما كان يُحادث ذلك الشاب. كان يُحب أن يُضفي بُعداً رمزيّاً على كل شيء حوله. غيره قد يعتبر ذلك تعقيداً للمسائل. بينما هو، كلّما ازدادت رمزيّة الأشياء، كلّما كان العالم، بالنسبة له، أكثر متعة، وأخف وطأة. رغم أن رمزيّة بعض المشاهد السخيفة التي كانت تعبر أمامه، ترهقه، وتزرع في قلبه بعض من الخوف.

قبل أن يصل بدقائق معدودة إلى جهّته. عاد المطر ليسرقه مرّة اخرى إلى أماكن أكثر دفءً في لاوعيه. تذكّر كل ذلك المطر الذي بلله طوال سنوات. وأكثر، تذكّر عبق الأرض عند أول الشتاء. ذلك العبق الذي سكنه إلى الأبد. “المطر والحنين صنوان لا يبتعدان”. ورغم أنّ إيراد هذه الفكرة في القصّة التي ينوي كتابتها، قد يعتبره القارىء ابتذالاً لا طائل منه، فقد صمّم على ذلك. خصوصاً أنّ السياق مختلف. ملامح الناس لم تختف عنه بعد. هي هنا حيّة، بكل بريقها، وشغفها. “كيف أتجاهل كل ذلك؟”. لم يستطع. كان الشاب الذي يُحادثه قد رحل دون أن ينتبه إليه. كان منشغلاً في حديث مع ذاته.

Source: Flickr by Ana.Caldas

في هذا اليوم الذي أراده بلا نهاية، اكتشف أكثر علاقته مع المطر. تلك العلاقة الغير ملتبسة. كان مشدوهاً بقدرة المطر الأنيقة على محو ذلك الجدار العازل بين الناس، واختصاره للمسافات بينهم، وفي كونه يضفي بعض من الخصوصيّة على كل كائن. هي قدرة غير متناهية على رسم ذلك الخيط الرفيع، الذي يفصل التماهي عن التشابه.

حسناً، في الواقع لم تمطر في ذلك اليوم، ولا في الفصول اللاحقة. كل ما هنالك أنّه أراد أن يضفي بعض من الاستثناء على مشهده اليومي المتكرر. كانت لديه رغبة بأن ينهمر المطر. وأن يتبلل. وأن يُقبّل تلك الفتاة التي تراوده خلال دخوله القطار. وأن لا يُدخّن سيجارته أثناء طريقه إلى المحطة. لم تكن لديه رغبة بأي شيء آخر. التعب احتلّ خلاياه. وبما أنّ للمطر قدرة غير عاديّة على رسم سياق مختلف لكل شيء. أنهمر المطر في قصّته. كان يُمارس الكتابة كمخرج سينمائي لا بأس به. هكذا كان يتبجّح أمام نفسه، عندما كان يكتب الكلمات الأخيرة في هذه القصّة، قبل لحظات من نومه المفاجىء.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “ارتباك”

  1. لهذا تقول ” حررني” كانت الملائة هناك, تناور الشفقـة على الظلين الذي يحرثان البقيـع.
    وهطل المطر بينهما لأول مرة.
    هاني.. يامطر.

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s